: آخر تحديث

الإبداع ومفهوم التعاون الدولي في القرن الـ21

كريستين لاجارد

 إن الملكية الفكرية القيمة كانت تحظى باهتمام كبير عبر الحدود، حتى في ذلك الوقت، على الأقل بين المعماريين الذين كانوا يسعدون بالاقتباس من بعضهم بعضا، والتعلم من بعضهم بعضا، والتماس الإلهام من بعضهم بعضا. ثانيا، يذكرنا ذلك بأنهم كانوا يفهمون أن إقامة بناء يبقى تتطلب ربط أسس الماضي الصلبة بإشراقة من الخيال. وهذا النوع من الإبداع والرؤية طويلة الأجل، المتجذرة في التاريخ والمستنيرة بنجاحاتنا وإخفاقاتنا السابقة، هو الموضوع الذي أتناوله هذا المساء. أولا، أين كنا؟ وكيف ساعد الإبداع في التعاون الاقتصادي الدولي على جلب الرخاء والسلم إلى العالم. وثانيا، إلى أين يمكن أن نسافر معا؟ وكيف يمكن أن يساعد الإبداع والفكر الاستشرافي المستنير على تطويع النظام الدولي لما نواجهه من تحديات جارية؟ وأود أن أبدأ بالحديث عن التاريخ المشترك بين الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي على مدار الـ75 عاما الماضية. في النصف الأول من القرن الـ20، كانت القوى الاقتصادية والعسكرية المهيمنة تستخدم القوة لتأمين مصالحها الخاصة بتكلفة جسيمة من الأرواح البشرية والدمار المادي. غير أن النتائج المأساوية دفعت البلدان إلى البحث عن وسيلة أفضل، وعثرت عليها في عام 1944. برزت الولايات المتحدة باعتبارها القوى الكبرى وقامت بعمل غير مسبوق. فعلى خلفية معرفتها بالنتيجة المدمرة التي انتهت إليها معاهدة فرساي في نهاية الحرب العالمية الأولى، قررت الولايات المتحدة استخدام قوتها في خدمة التعاون. كانت تجربة أدت فيما بعد إلى تشكيل عالمنا الحديث. وفي عام 2001، وصف الدكتور كيسنجر ابتكارات فترة ما بعد الحرب العالمية في محاضرته الافتتاحية قائلا إنها "دفقة هائلة من الإبداع جلبت الأمن إلى العالم". فكيف حققت الولايات المتحدة ذلك؟ بالسخاء مع الآخرين وبأخذ مصلحتها الخاصة في الاعتبار وبقليل من المساعدة من الأصدقاء.

ولننظر إلى بعض نقاط التحول على مدار الـ75 عاما الماضية. فقد تركت الفترة بين الحربين الكبريين أثرا عميقا لدى مصممي النظام الأساسيين، جون مينارد كينز من المملكة المتحدة، وهاري دكستر وايت من الولايات المتحدة. ذلك أنهما شهدا اللحظة التاريخية التي بثت فيها السياسات المحلية المعيبة السم في العلاقات الدولية التي كانت مبنية على أسس مهتزة في الأصل. وكانت النتيجة هي الحمائية والتخفيض التنافسي لأسعار العملات. وتسبب انفجار التجارة العالمية في تعميق "الكساد الكبير"، وحدوث حالة من الاضطراب الاقتصادي والمالي والاجتماعي الشديد. وفي نهاية المطاف، أدت هذه الضغوط إلى نشأة الحركات الشعبوية والحركات القومية المتطرفة، التي انتهت بكارثة. وعقب الخروج من الحرب العالمية الثانية، قررت الولايات المتحدة و40 بلدا آخر التقوا في بريتون وودز بولاية نيوهامبشر إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وكلفوا الصندوق بثلاث مهمات بالغة الأهمية، هي تشجيع التعاون النقدي الدولي، ودعم التوسع التجاري والنمو الاقتصادي، وتثبيط السياسات التي يمكن أن تضر بالرخاء. ومن البدايات الأولى، ساعد الصندوق البلدان الأعضاء على معالجة التحديات الرئيسة الجديدة عن طريق التعاون. وكعامل مكمل لخطة مارشال، ساعدنا أوروبا في إعادة البناء على أنقاض الحرب. وأتاحت قروضنا للبلدان المقترضة فرصة لالتقاط الأنفاس وتحقيق استقرارها الاقتصادي في ظروف عصيبة وتنفيذ سياسات تعزز النمو. إنها مهمة نواصل القيام بها حتى اليوم ــ ولعلكم رأيتم ما قمنا به أخيرا في بلدان متنوعة مثل الأرجنتين ومصر وأوكرانيا. وكانت عبقرية هذا النظام التعاوني تكمن في تصميمه الذي يتكيف ويتغير مع المستجدات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد