: آخر تحديث

ميثاق الهجرة.. مقاربة أممية

  عبدالحق عزوزي 

تشير أرقام الأمم المتحدة إلى وجود نحو 258 مليون شخص مهاجر حول العالم، أي ما يمثل 3,4 من مجموع سكان العالم، وتمثل تحويلاتهم المالية نحو 450 مليار دولار، أي حوالي 9 من الناتج الخام العالمي، وتعد مسألة الهجرة واحدة من أهم المواضيع التي تصرف عليها المليارات وتبلور لها مئات السياسات العمومية، وتعد أيضاً واحدة من المسائل التي تستغلها الأحزاب سياسياً في الدول الغربية وتوظفها وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة بطريقة غير معهودة في تاريخ البشرية، وفي بعض الأحيان تعتبر الباروميتر لمعرفة مدى انفتاح مجتمع سياسي من عدمه. وكلنا نعرف قصة الجدار الذي يريد الرئيس الأميركي تشييده على الحدود مع المكسيك، وذلك لتعزيز أمن الحدود مع هذا البلد، وهو الوعد الأكثر رمزية إبان حملة ترامب الانتخابية. وإذا ما تم هذا البناء، فسيكلف نحو ثمانية مليارات دولار، كما سيمتد هذا السياج لمسافة 1600 كيلومتر بسبب تضاريس الحدود. 
ومن هنا قيمة المؤتمر الدولي الذي عقد منذ أيام بمدينة مراكش حول الهجرة، وهو محطة رئيسة تسبق التصويت بشكل نهائي على ميثاق الهجرة في اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
ويضع الميثاق الأممي الذي تبناه ممثلو نحو 150 دولة، 23 هدفاً، بموجبها يسعى إلى إدارة مسألة الهجرة بشكل أفضل على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. ويتضمن هذا النص مبادئ تتعلق بالدفاع عن حقوق الإنسان والاعتراف بالسيادة الوطنية للدول، كما يتضمن اقتراحات لمساعدة الدول على مواجهة موجات الهجرة عبر تسهيل نقل المعلومات واستيعاب المهاجرين وتبادل الخبرات. وأهم بنوده التي يمكن استحضارها هنا:
-الحد من العوامل السلبية التي تمنع المواطنين من العيش الكريم في بلدانهم الأصلية.


-تخفيف المخاطر التي يواجهها المهاجرون في طريقهم إلى بلدان الهجرة، من خلال احترام حقوقهم الإنسانية وتوفير الرعاية اللازمة لهم.
-الإحاطة بالمجتمعات والدول، وإدراك التحولات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وتأثيراتها على تفاقم الهجرة.
-تهيئة الظروف التي تمكن جميع المهاجرين من إثراء المجتمعات من خلال قدراتهم البشرية والاقتصادية والاجتماعية، ودمجهم لدفع التنمية على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والعالمية.
-مواجهة التضليل ونبذ خطاب العنف والكراهية فيما يتعلق بالهجرة.
-منع الاعتقالات العشوائية في صفوف المهاجرين وعدم اللجوء إلى إيقافهم سوى كخيار أخير.
إن هاته البنود وغيرها تعبر لا محالة عن التغيير الجذري الذي تحدثه ظاهرة الهجرة في مسار العلاقات الدولية عبر ما يسمى عولمة موجات الهجرة وتقوية الشبكات العابرة للدول والخرق المستمر للحدود الوطنية، وأصبحت الدولة الوطنية بمفهومها الفستفالي التقليدي هي الخاسر الأول وإن ظلت تقاوم ولو باستحياء في بعض الأحيان مواطن السيادة التي تملكها. 


الوطنية العابرة للقارات، حسب تعبير أحد كبار المختصين في الهجرة العالمية الأميركي جيمس هوليفلد، والتي نجدها في التجارة والاستثمارات العابرة للحدود، يمكن أن تهدد سيادة الدولة القومية وسلطتها. فالهجرة على وجه الخصوص تمثل تحدياً كبيراً، لأن التنقل غير المرخص له للأشخاص عبر الحدود يمكن أن ينال من مبدأ السيادة.‏ فالمواطنة أو خاصية انتماء الأفراد إلى مجتمع ما يمكن أن تتحول بشكل يمس العقد الاجتماعي، ويجعل شرعية الحكومة وسيادتها تهتز. فالهجرة ينظر إليها في كثير من الأحيان كتهديد للأمن القومي ويؤدي إلى نشوب نزاعات داخلية وخارجية، ومن هنا يمكن أن نتحدث عن التناقض الليبرالي: فالمنطق الاقتصادي للنظام الليبرالي هو منطق الانفتاح، بيد أن منطقه السياسي والقانوني هو منطق الانغلاق، ومن هنا أيضاً قيمة ميثاق مراكش الذي قام بأنسنة ظاهرة الهجرة، إذ من غير المعقول أن يبقى المهاجرون رهائن لسياسات أمنية وأن يخلط بين الهجرة والإرهاب والمخدرات والجريمة، لذلك ينبغي الأخذ بعين الاعتبار الهجرة كعامل للتنمية في سياق عام. وبهذا تكون الهجرة وسيلة فعالة لإرساء مواطنة عابرة للحدود وليبرالية وإيجابية وقادرة على جعل المهاجرين وسطاء في الشراكة والتعاون والمشاركة في الفضاء المتوسطي، شريطة أن يكون لهم الحق في التنقل بسهولة، وتعزيز هذا الحق لا يمكن أن يتحقق إلا إذا استفاد المهاجرون من حماية حقوقهم في الاتفاقيات الدولية، خصوصاً اتفاقيات المنظمة الدولية للعمل ومنظمة الأمم المتحدة.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد