قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يحيى الأمير

هكذا كانت المعادلة في العام ٢٠١١ ؛ شرارة تنطلق في شوارع العواصم العربية، تندلع الفوضى تتدخل جماعات وقوى وأموال خارجية وتقوم بتوجيه حالة الجريان القائمة إلى مصب واحد ينتهي باستبدال القوى الوطنية القائمة في تلك البلدان بقوى حزبية أيديولوجية ذات ولاءات خارجية. وتوافرت الأطراف على كل المقومات التي تعين على ذلك ومثل النظام القطري وكيل ذلك المشروع في المنطقة بالمال والإعلام سعيا منه ليكون اللاعب الكبير في المنطقة، وبينما حملت تركيا مسؤولية التغطية الأيديولوجية للمشروع وحملت إدارة أوباما مسؤولية التغطية السياسية الدولية انفجر الشارع العربي وتحققت انتصارات مؤقتة كان أسوأها ذلك الذي شهدته مصر حين حكمت جماعة الإخوان المسلمين.

كان الوضع مأساويا للغاية وأصبحت الدولة الوطنية مهددة بالكامل في مصر وسوريا وليبيا وكانت المسارات واضحة تعتمد في الغالب على جماعات الإسلام السياسي بوصفها الخيار القادم لتسلم السلطة في كل تلك البلدان. كان تفكيراً كارثيا للغاية ولو تحقق لتحولت المنطقة إلى البقعة الأسوأ في العالم، خاصة وأن الدفع بجماعات الإسلام السياسي من شأنه أن يستلزم بناء نماذج تخدم ذلك المشروع وتقدمه بصفته الخيار الأنسب، ومن أبرز تلك النماذج تنظيم داعش في العراق والشام وما تبعه من ظهور مفاجئ وانتشار سريع في البلدان التي شهدت تلك الفوضى.

كانت ليبا واليمن ومصر بلدانا تضم تشكيلات واسعة لجماعات الإسلام السياسي لذلك كانت المهمة ظاهريا سهلة خاصة مع ادعاء وربط التحولات بالشارع إلا أن الأداء السياسي الرديء وتراجع قيم وخطاب الدولة الوطنية كان سببا لإنقاذ تلك البلدان من المصير القاتم الذي كان ينتظرها.

في الواقع الصورة في سوريا كانت مختلفة نوعا ما فالقمع القديم الذي تعرضت له حركات الإسلام السياسي مبكرا على يد النظام السوري جعلها أقل قدرة على بناء كيانات قادرة على الاشتراك في تحقيق أهداف ذلك المشروع.

منذ أن انطلقت الأحداث في سوريا في ظل عواصم عربية متفجرة أدركت السعودية أن ما يحدث هناك إنما هو جزء من تلك المعادلة، ويتذكر التاريخ كيف أن المملكة بادرت آنذاك في الاتصال بالقيادة السورية مع بداية الأحداث من أجل محاولة بناء تصور مختلف للتعامل مع الأحداث، إلا أن أخطاء كبرى ارتكبها النظام السوري أدت بعد ذلك إلى اتخاذ مواقف حادة منه كان أكبرها تسليم إدارة الأزمة للحرس الثوري الإيراني واشتداد القمع في الداخل.

اتجه كل من النظام القطري والتركي إلى البحث عن بدائل وعناصر يمكن أن تواصل بها استثمار الأحداث كما تم في مصر، فشرعت في تاسيس خلايا وكيانات ليصل عددها إلى أكثر من ثلاثين فصيلا في بدايات العام ٢٠١٤. ومع دخول الحرس الثوري إلى قلب المعركة لم يكتف فقط بإدارة وتمويل فصائل مسلحة بل تولى إدارة أجهزة أمنية داخل الدولة مما ضاعف حجم المواجهة وأسهم أيضا في تزايد القمع في الداخل.

لعبت إدارة أوباما والنظامان التركي والقطري أدوارا ملتبسة ولم تلبث أنقرة أن أصبحت لديها أهدافها الخاصة في سوريا، ومثّل الجيش الحر الذي اتخذ من تركيا مقرا له أبرز الأدوات التي تم استخدامها من قبل جميع الأطراف مما أدى إلى انقسامه وتشرذمه، وبالتالي فقد فاعليته مبكرا وتراجعت الانشقاقات وتسربت أسلحته إلى مختلف الجماعات والفصائل.

لقد أفسد النظام القطري والنظام التركي بالمال والإعلام والتطرف كل الخيارات التي كان يمكن أن يسلكها الملف السوري، وأصبح الشعب السوري هو الضحية الأكبر لكل ذلك، ثم لم تلبث أن ازداد الأمر تعقيدا بدخول روسيا على خط الأزمة السورية.

اليوم ومع سعي دول الاستقرار والاعتدال في المنطقة إلى إعادة القاطرة الأمنية والاقتصادية للمنطقة نحو الاستقرار ومع اللغة الجديدة والتوجهات المدنية التي تقودها الرياض وأبوظبي يمكن القول إن كثيرا من تلك الجهود لكي تتحقق واقعا لابد من العمل على إنهاء الملف السوري باتجاه ما يحفظ الدولة السورية ويمثل بداية لإنقاذ ذلك البلد العربي العريق مما شهده طيلة الأعوام الماضية، خاصة مع وجود وضع دولي يمثل مناخا ملائما لإعادة التفكير في القضية السورية التي يتبقى الجانب الأكبر من إنقاذها على النظام السوري خاصة مع العقوبات النوعية التي يتعرض لها النظام الإيراني ووجود موقف سوري واضح من النظام التركي الذي يشهد أزمات داخلية متوالية.

سيتحرك الخاسرون في مؤامرة الثورات العربية لوصف كل تحرك عربي على أنه إنقاذ للنظام السوري وتخل عن دماء السوريين ونضالهم، وفي الواقع فإن هذه مجرد شعارات لا أساس لها لأن من استرخص دماء السوريين هو من حولهم إلى ورقة في لعبة مقامرة خاسرة.