: آخر تحديث

الرد على شبهات الملحدين

 سطام المقرن  

ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الكتب والمؤلفات التي يدّعي أصحابها الردَّ على شبهات الملحدين حول الإسلام. 


ويلاحظ على هذه المؤلفات أنها تتناول مواضيع وقضايا فلسفية وعلمية معقدة، وذلك من منطلق عاطفي، ومن باب وعظي بحت، إضافة إلى قصور أدوات المعرفة الدينية السائدة في تقصي ومعالجة المشكلات الفكرية المتزايدة للجيل الجديد من الشباب، خاصة في مجال العقائد وأصول الدين، وقصورها أيضا في الرد على الشبهات والتحديات الفكرية المعاصرة. والأخطر من ذلك كله، أن تلك المؤلفات تدعو إلى التمسك بالموروث الفقهي القديم، باعتباره إعجازا تشريعيا، والأحكام الفقهية أحكاما إلهية ثابتة لا تتغير. وبالتالي، فإن أية دعوة إلى تجديد الأحكام الفقهية القديمة، بما يتناسب مع مستجدات العصر الحديث، تعدّ دعوة فسق وضلال ومن شبهات الملحدين والربوبيين، مما يعني ذلك وجود مقاومة شرسة لأية آراء فقهية تجديدية في هذا المجال، الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل كثير من القوانين والتشريعات. فعلى سبيل المثال، يقول أحدهم عن أبرز الشبهات المتعلقة بالمرأة، وهي «شبهة تنصيف إرثها» بأنها من الشبه «التي يعترض بها المشككون، أو يتحير فيها المؤمنون»، وهي من الشبهات التي يطلقها الملحدون، ومن ينادي بمساواة الإرث من المسلمين هم من السُّذج الذين وقعوا فريسة للشبهات ولشياطين الإلحاد، وهم يجهلون بشكل تام أحكام وقواعد الميراث في الإسلام عامة، وميراث المرأة على وجه الخصوص. 
وفي معرض الرد على قضية الإرث يقولون، إنه لا بد من التفريق بين المساواة والعدل، فالإسلام «ساوى بين المرأة والرجل في أمور كثيرة، حسبما يلائم طبيعة كل منهما، ولم يساو بينهما في أمور أخرى، ولو ساوى فيها بينهما لكان ظلما لأحدهما، لأن المساواة في غير مكانها ظلم. راعى الإسلام في مسائل الميراث الحاجة، فأعطى الأكثر احتياجا نصيبا أكبر من الأقل احتياجا. وكان للذكر مثل حظ الأنثيين، لأن الابن سيصير زوجا ملتزما بتكاليف يتحملها، وأعباء مالية يبذلها، فهو أكثر احتياجا من أخته التي لا تلزم بمثل ذلك»، إضافة إلى أن الرجل ملزم بالإنفاق على بيته وزوجته وأبنائه، بينما المرأة غير ملزمة بذلك. 


وبالتالي، فإن المرأة «مرفّهة ومنعّمة أكثر من الرجال، لأنها تشاركه في الإرث دون أن تتحمل أية تبعات، فهي تأخذ ولا تعطي، وتدخر المال دون أن تدفع شيئا من النفقات أو تشارك الرجل في تكاليف العيش». 
لا شك أن الرجل يتحمل مسؤولية دفع المهر والإنفاق على زوجته وأبنائه، وهو بالتالي يحتاج إلى مال أكثر من المرأة، فتقسيم الميراث على هذه الحالة يتفق مع مقتضيات العدالة، امتثالا لقول الله عزّ وجل، «إن الله يأمر بالعدل والإحسان»، وعلى هذا الأساس يكون تطبيق الأحكام الإسلامية على حالات الإرث، وفقا لمقتضيات العدالة، ولكن ماذا لو تغيرت الأحوال الاجتماعية وأصبحت المرأة تشارك الرجل في النفقة، وتتحمل مصاريف الأسرة، كما في الدول الغربية، أو تتحمل المهر والسكن والأثاث في بعض الدول الأخرى.  فهل يبقى تقسيم حصص الإرث على ما هو عليه، ويبقى متوافقا مع مقتضيات العدالة، أم يقال بضرورة تغييره وتبديله، وفقا لمستجدات الواقع ومتغيرات المجتمع الحديثة؟.
بالطبع، كثير من الرافضين للمساواة في الإرث، وللتجديد في الفقه الإسلامي بشكل عام، سيعترضون على مسألة مقتضيات العدالة في تعليل الأحكام الشرعية، ويقولون سواء ظهرت لنا الحكمة أو العلة أو خفيت علينا -معاشر البشر- ليس أمامنا سوى القبول بهذا الحكم لأنه من عند الله تعالى، سواء علمنا أو جهلنا الحكمة من ذلك! 
والسؤال الموجه إلى هؤلاء: هل عدم معرفة العلة أو الحكمة مبرر للجمود على الأحكام، حتى لو كان العقل والوجدان الإنساني يقرران أن ذلك الحكم يتعارض مع مقتضيات العدالة في الوقت المعاصر؟.
إضافة إلى ما سبق، ماذا عن مفهوم «مقاصد الشريعة»، الذي يعني إجمالا «ما يقصد الشارع من عمل أو كف، أو ما يقصد بشرع الحكم»، بمعنى «مراد الحق سبحانه وتعالى في شرعه من الخلق». 


فعلم المقاصد يعدّ وسيلة لبيان كثير من علل الأحكام الشرعية ومقاصدها، في العبادات والمعاملات والميراث وسائر أبواب التشريع، ويعدّ أيضا من الشروط الضرورية التي يجب أن يراعيها الفقيه في اجتهاداته وفتاواه. 
وللفقهاء الأوائل طرق ووسائل متعددة في استخدام مفهوم المقاصد، ومن ذلك -على سبيل المثال- ما يسمى «مسلك العلل»، فتُعدُّ العلل مسالك مباشرة أو غير مباشرة لإثبات مقاصد الأحكام، ومن ذلك أن تذكر علة الحكم صراحة في النص الشرعي، أو يمكن استنباطها من خلال الاجتهاد والقياس.
ومما سبق، يتضح أنه لا معنى للالتزام بنمط واحد من تقسيم الإرث، والإصرار على أن ذلك هو الحكم الشرعي دون غيره، كما يتصور أصحاب الفقه التقليدي، بل يمكن القول بوجود صياغة أخرى لتقسيم الإرث، وتكون هناك مساواة في الحصص بين الذكر والأنثى، حسب مستجدات الواقع، ووفق قواعد الشريعة الإسلامية التي تؤكد على مقتضيات العدالة، والدليل على ذلك ما قام به الخلفاء الراشدون والصحابة في التعامل مع النصوص الإسلامية في كثير من الأحكام. كما أن آراء فقهاء المسلمين في الماضي والتاريخ كانت تتأثر بالواقع وبالبيئة والمحيط الاجتماعي، ودون الخروج عن دائرة الدين، ولكن من خلال فهم النصوص الدينية وفق مستجدات الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشونه. فكل شيء حتى ما هو ثابت، كالعدالة والحق والخير والباطل والظلم والشر، تتغير هي الأخرى، تتبدل في معانيها مع تبدل المجتمعات والأزمان، وتتبدل معها القوانين والشرائع والنظم. 
فكيف ساغ للبعض اتهام من يطالب بمساواة المرأة بالرجل في الميراث، وفقا للمتغيرات الاجتماعية، بالزندقة والإلحاد وهدم ثوابت الدين؟.
 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد