: آخر تحديث

سرقة الجولان السوري.. بلا حياء

  عبدالله بشارة

 

كتب السياسي المخضرم السيد عمرو موسى مقالاً في «الشرق الأوسط» منذ أسبوعين، يطلق فيه إنذاراً نحو ما يصدر عن إسرائيل مع أصوات أميركية لاعتراف واشنطن بضم الجولان كجزء لا ينفصل عن إسرائيل، وبالتالي يصبح ملكاً لها، وفي سعيه إلى إشعال الحس الجماعي العربي لخطورة هذه الخطوة ينصح بالتوجّه إلى مجلس الأمن إذا ما اقترب هذا الأمر من الحقيقة، وبشكل جماعي عربي وإسلامي، وعدم الانحياز للاعتراض القوي، اعتماداً على مبادئ الميثاق وقرارات مجلس الأمن بأن الجولان أرض سورية محتلة، تنطبق عليها القواعد المعتمدة لحالات الغزو والاحتلال.
ومع ذلك الصوت الواعي، نسعى جميعاً ـــ وبلا تردد بكل ما تتطلبه المواجهة السياسية والقانونية ـــ إلى عرض الأبعاد الخطيرة لمثل هذا التطور على المجتمع العالمي ومنظمته، وعلى العلاقات بين الدول، وما تعنيه في لغة القانون الدولي، وما ستورثه من سابقة خطيرة في القواعد التي تنظّم أحكام السيادة وسلامة الدولة الوطنية.


مثل هذا الموضوع لا يحتاج إلى وقت للتفكير وحسن التصرّف؛ فالحالة واضحة، فيها تطاول وتخريب وتدمير وإضاعة فرص التفاهم، وفيها غرور الزمن وغطرسة القوة واستصغار الخصم، واعتباره من الأرذال والحط من الكرامة والأحاسيس.
لن ينجح قرار الضم إذا ما وصل إلى التصويت إلى الأمم المتحدة، لأن العالم لا يخلو من العقلاء الذين يدركون المخاطر، فلن يحصل القرار على أصوات تسعفه، ولن يصوّت معه الأوروبيون وسيعترض عليه الكل، وربما الصوت الوحيد هو الأميركي، ويستفز الصين بـ «الفيتو» وروسيا بـ «فيتو» آخر.
ومع ذلك، فالخطورة في صفاقة الإثارة وبأبعادها وبالصوت الذي يصدر عن بعض أعضاء مجلس الكونغرس المؤيدين لها، وبانعدام التقدير تجاه أصحاب الأرض ورفاقهم من العرب.
ويحق لواحد، مثل عمرو موسى، عاش في لقاءات كثيرة مع الإسرائيليين ووقف على صلابتهم في الغرور وعلى قناعتهم بحقهم في الأراضي المحتلة، وعلى ازدرائهم للخصم، أن يدعو إلى هبة جماعية سياسية منظمة، تتواصل مع أصحاب آلية القرار في واشنطن من داخل البيت الأبيض وخارجه من سياسيين وإعلاميين وكتّاب ومجتمعات، لنقل حقائق الغضب العربي ومخاطره على قواعد الاستقرار في المنطقة، وما يتبع ذلك من تأثير في المنافع التي يريدها الجميع من العلاقات مع الولايات المتحدة، أو ما تشكّله من دمار تام على القيم التي تأسست عليها دبلوماسية الولايات المتحدة وعلى الرصيد الأخلاقي والإنساني، الذي ارتبط بتاريخها ويدافع عنه دستورها.
وهذا من الممكن تحقيقه، من دون أن يتضرر أحد من العرب، ولكنها رسالة قوية يجب أن تصل، كما يحق للآخرين أن يتساءلوا عن هوية النظام السوري وعما يمارسه يومياً منذ سنوات بحق أبناء الوطن السوري، الذين يبحثون عن النجاة عبر منافذ خطرة في البحر الأبيض، وسلّموا مصيرهم بسبب اليأس لأمراء المجازفة والموت، الذين أصبحوا صُنّاع الهروب إلى أوروبا.
النظام السوري البليد، الفاقد للحس الإنساني، لا يتحرّك ولا ينفتح، ويواصل الإبادة ليبقى عنصرياً فئوياً لا علاقة له بالشام ولا بتاريخه ولا باللياقة الفكرية التي تميّزت بها المنطقة، ويواصل تجمّعاته مع كتائب المناصرين وتكتلات المنافقين، مستمراً في بناء شبكة من جنود مسلحين يحافظون على أمنه وسلامته، بعزلة تامة عن مشاعر الشعب وأحلامه.


جاءت الأمم المتحدة ممثلة بمبعوث مجلس الأمن، وعقدت اجتماعات، فتنقّلت بين العواصم المختلفة وزارت جنيف ونيويورك والعواصم العربية المؤثرة، وتدخّلت تركيا وروسيا وإيران، كل يريد استخراج شيء من لحم الشعب السوري، ومن جغرافيته، ومن خزينته، على حساب مصالحه، وصارت سوريا أرض الصراعات الإقليمية والعالمية، وصار شعبها بين أسير في الداخل، ومشرَّد في الخارج، يدفعه اليأس إلى الخروج من المألوف في تصرّفاته، وتحوّلت الأرض السورية الخصبة إلى ألغام، ومزارعها إلى حفريات من إفرازات المدفعية والقنابل، وراح كل ما فيها من وهج وجمال وأناقة، وضاعت المواهب السورية في المبادرات التي تخرج من غريزة شامية، متوارثة، صقلتها حضارات وتحوّلت إلى عطاءات تعبّر عن الإتقان السوري المشهود له إقليمياً وعربياً.
لم تخرج من النظام السوري أي مبادرة فيها رائحة الاعتراف بضرورة الضم والتكاتف والوحدة الوطنية، والحفاظ على سلامة الوطن، ولم يقدّم النظام حركة يستقبلها العالم بأمل، ولم يهتم بالدماء التي أهرقت، ولا مبالياً بالأعاصير التي قضت على الوطن.
ومع ذلك، تتحرّك بعض الدول نحو إعادة النظام إلى الشرعية العربية داخل الجامعة العربية، بعد قرار من وزراء الخارجية العرب، وإذا كانت هناك بعض الدول التي لها قراءات خاصة، تبرر فتح سفاراتها في دمشق، فلا يعني ذلك أن تتحرّك لاستعادة النظام إلى التقبّل العربي الجماعي، لا بد من تقدير حقوق الإنسان، ولا بد من احترام آدمية الشعب المعذّب، ولا بد من دعم جهود الأمم المتحدة للتوصل إلى صيغة حكم تجمع وتعيد العافية إلى سوريا، وفق إرادة الشعب الحرة، وليس بقبول نظام يعيش بالحديد، ويحيا بالنار، ويلتزم القتل، ويحتمي بالدبابة والمدفع، ولا علاقة له بالسواد الأعظم من أبناء سوريا.
نحن نعرف أنه بالدعم الروسي عاش النظام، وبالطائرات الروسية وجنودها بقي النظام يحكم بلا حياء وبلا كرامة، فالرماح الروسية أبقته حيّاً.


معركة سوريا تديرها روسيا، بإعطاء شيء من الحصيلة لتركيا، وبشيء آخر إلى إيران، وبإدارة طائفية معزولة دخلت في معارك البقاء، مهما كان عذاب الآخرين.
وهنا، لا نتعجّب إذا ما تفتّحت شهية الحكومة الإسرائيلية لضم الجولان، لأنها ترى التفسّخ الأخلاقي والتشرذم الوطني الذي يعيش فيه ما تبقى من الشعب السوري تحت إدارة طائفة بشار الأسد في فصل الحياة أو الموت.
ونعرف الترابط العضوي بين إسرائيل والولايات المتحدة، ومنها تخرج الأصوات بدعم الضم بمعرفة تامة بواقع الحال في سوريا.
دنيا عجيبة غريبة، كل يوم لها أحوال.. هكذا يصدح الموال الكويتي..

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد