قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  عبد الرحمن شلقم

 الاقتراب من الجزائر الجغرافية له عدته الخاصة. خطوط الطول والعرض لا تمر فوق الفضاء الوهمي فقط، لكنها تعبر التاريخ والناس، وتغوص في الجيولوجيا الماضية والحاضرة التي لا تتوقف عن الفعل وصنع التفاعل. لقد مرَّت البلاد في الأسابيع الأخيرة بمرحلة بالغة التعقيد والخطورة. لأول مرة منذ استقلال البلاد تبرز قوة سياسية فاعلة تتجاوز قدرة الجسم السياسي الذي حكم البلاد على مدى عقود، وهو جبهة التحرير الوطني التي قادها رجال حرب التحرير أو من تربى في أحضانهم السياسية، وكذلك جيش التحرير، الجيش الشعبي الجزائري. هذه القوة الجديدة التي تتكون في غالبيتها المطلقة من الشباب الذي ترعرع في بيئة مختلفة عن تلك التي شكلت ثقافة وعقلية الطبقة التي قادت البلاد سنوات طويلة. الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو الاسم الأخير في الجيل الذي يحمل هوية المجاهد والسياسي المؤسس لدولة الاستقلال. جاء إلى سدة الرئاسة ليقود البلاد من أجل إخراجها من أزمة طاحنة هي ما عرفت بالعشرية السوداء التي أدخلت البلاد في حرب أهلية دموية من نوع خاص. نجح بوتفليقة في إعادة السلم الأهلي واستطاع تحقيق إنجازات ساهمت في تحريك الاقتصاد الجزائري، وحل أزمة السكن الخانقة وتخفيف حدة البطالة وخاصة بين الشباب.


أخطر ما يواجهه أي نظام سياسي هو المسكوت عنه. حالة من التغير السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يتحرك في عقل ومفاصل المجتمع دون أن يكون له صوت يطفو على ساحات الحياة العامة. الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 30 سنة يشكلون الغالبية الساحقة في المجتمع، والكتل السكانية التي تعيش في مناطق بعيدة عن العاصمة، وهجرة العقول من الأساتذة والأطباء والمهندسين. المساهمة في الحياة السياسية، ظلت مرتبكة إلى حد بعيد. المعارضة رغم وجودها في أحزاب تعددت عناوينها، فإنها لم تجد المداخل للمشاركة في القرار. حكومات الظل مكون أساسي في الحياة السياسة، تتشكل من الأحزاب المعارضة، وتكون لها أصوات عالية في كل ما يتعلق بالحياة العامة والقضايا الأساسية في البلاد، عبر البرلمان ووسائل الإعلام التي تشكل الرأي العام وتظهر مخرجاته في الانتخابات العامة. تمَّ تعديل الدستور الجزائري أكثر من مرة، لكن سرعة متغيرات الحياة وطبيعة تكوين الجيل الجديد كانت أسرع من محتوى التعديلات. الآثار العملية لنصوص الدستور على مجريات الحياة السياسية والاقتصادية كانت محدودة، فقد كانت القيادة الأبوية فوق نصوص الدستور في حالات كثيرة. النفس الإسلامي في عدد من الأحزاب الجزائرية ترك ظلالاً ثقيلة على لون وأصوات ومسارات العمل السياسي في البلاد. النخب السياسية والثقافية، كثيراً ما شابها التناقض، بل والصراع النظري الرغبوي وغابت عنها الروح الواقعية القادرة على تشخيص المشكلات واجتراح الحلول القابلة للتحقق على أرض الواقع.


الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان الحكم الذي حاز شبه إجماع وطني خلال ولايات حكمه الأربع. تمكن من تحقيق توازن بين القوى السياسية الفاعلة التي تتولى أمور البلاد، وبصفته وزيراً للدفاع نجح في ترتيب دور الجيش في الحياة السياسية والاقتصادية. انفتح على أطياف المعارضة بمزاج أبوي هادئ نجح في تخليق بيئة للسلم السياسي في مجتمع له كثافة سكانية هائلة في بلاد مساحتها بحجم قارة متعددة الأعراق والنشاط الاقتصادي والموروث الاجتماعي، وكذلك اللهجات التي لا يغيب عنها ما مكث في الألسنة من بقايا اللغة الفرنسية. من يعرف الجزائر يدرك أن قيادة بلاد بحجمها السكاني والجغرافي ومزاج أهلها، ليس من هينات الأمور. مهما كان حجم الاتفاق أو الاختلاف على شخص الرئيس بوتفليقة، فإنه يبقى أحد الرموز الأساسية في التاريخ الجزائري بصفته مجاهداً وسياسياً ودبلوماسياً. نعمت الجزائر طوال 20 عاماً من حكمه بالسلم الاجتماعي، لم تشهد أي نوع من التصعيد المسلح مع جيرانها، ساهمت بقوة في المحافل الدولية وخاصة الأفريقية، وكان لها دور فاعل في كبح التغول الإرهابي المتطرف في منطقة الساحل والصحراء. لكن المختنقات المزمنة في الحالة الاقتصادية لا تكاد تغادر البلاد بسبب الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط والغاز الذي يتذبذب مردوده حسب فصول العرض والطلب العالمي، ولا نتجاهل موروث الدولة الراعية الذي تجذر بقوة في الحقبة الاشتراكية العميقة. الانتقال من القطاع العام إلى القطاع الخاص يحتاج إلى برزخ من الزمن وإعادة الترتيبات الإدارية والتشريعات القانونية، وفي هذه المرحلة الانتقالية تغوص وتطفو حالة من الخلل يسودها الفساد في كثير من مفاصل النشاط الاقتصادي.


المظاهرات التي عاشتها الجزائر تحتاج إلى قراءة خاصة في أسبابها وتوقيتها وآثارها التي سترافق مسيرة البلاد لفترة طويلة.
كان عنوان السبب هو الاعتراض على ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة. أولا بسبب حالته الصحية وثانياً لمخالفة ذلك للدستور الذي جرى تعديله أكثر من مرة. العنوان كان الصاعق الذي فجر الغضب المتراكم لسنوات في الجزائر. حمل في باطنه الاعتراض على مبدأ القيادة الأبوية، وغياب المساهمة الواسعة في الحياة السياسية وكذلك المختنقات الاقتصادية. اللافت للنظر هو مشاركة كل الأطياف الاجتماعية في تلك المظاهرات، وخاصة المرأة والعمال والإعلاميين ورجال القضاء. السلمية الكاملة في كل أيام الاحتجاج واتساعها لتشمل كل أطراف البلاد، مؤشر على النضج السياسي العام، واللافت للاهتمام هو غياب بل رفض أن يكون للأحزاب أو الشخصيات السياسية المعارضة مكان في قيادة ذلك الزخم السياسي.


اليوم، وبعد أن قرر الرئيس بوتفليقة انسحابه من الترشح لعهدة خامسة، أرفق بيانه بعدد من المبادرات وهي تعيين رئيس وزراء جديد، نور الدين البدوي وزير الداخلية وهو من منطقة ورقلة في الجنوب، وجه لا ينتمي إلى جيل قيادة جبهة التحرير، وللمرة الأولى يعين نائب لرئيس الوزراء هو الدبلوماسي المعروف رمضان لعمامرة، وأعلن الرئيس عن تشكيل جمعية وطنية للحوار من أجل وضع مسار تأسيسي وطني جديد، وقد رشحت بعض الأصوات الأخضر الإبراهيمي لقيادة هذه الجمعية وهو من الوجوه البارزة داخلياً ودولياً. الخلاصة أن بوتفليقة الذي عاش الجزائر في كل حلقات تحقيق استقلالها، والخروج من أزماتها يريد أن تكون مغادرته للمشهد الجزائري بتأسيس دولة جديدة تأخذ في الاعتبار الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية الجديدة، يكون للجيل الجديد مكان فيها. تشخيص المشكلة يمثل نصف الحل. الولوج إلى مكامن المسكوت عنه هو فتح لأبواب تقود إلى رحاب الحقائق التي تصنع أعمدة المستقبل. نهاية حقب الأب الزعيم.