: آخر تحديث

لماذا التعاطف النيوزيلندي العظيم؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 عبدالله بن بخيت

 الذي يتابع الأحداث سيرى أن نيوزلندا قد ذهبت إلى أبعد ما يمكن الوصول إليه للتعبير عن مشاعر الغضب والألم والتعاطف حيال المجزرة الكبرى التي اقترفها قاتل المصلين.

لكن من المهم أن نعلم أن الضحايا مواطنون نيوزيلنديون أو مقيمون على الأرض النيوزيلندية بغض النظر عن دينهم. هذا الحماس والتعاطف مصدره الوطنية التي تجمع بين سكان الوطن الواحد. هذا ليس تعاطفاً مع المسلمين فقط. نيوزيلندا بلد علماني لا يفرق بين دين وآخر وبين عرق وآخر. عندما لبست رئيسة الوزراء الحجاب الإسلامي فهي تمثّل جزءاً من تقاليد أبناء وطنها. لا تبعث برسالة لنا في القارات الأخرى أو تغازلنا أو أن تصرفها دعم للأمة الإسلامية.

الشيء الذي يتوجب علينا النظر إليه أن اعتداء هذا الآثم على المسلمين هو بالنسبة للنيوزيلنديين اعتداء على العلمانية التي تكفل حق المواطن في اختيار دينه ومعتقده وحقه في ممارسته، والتعبير عنه والدعوة إليه إذا إراد.

شاهدنا في أكثر من مقطع بعض النيوزيلنديين يؤدون الرقصة التقليدية لشعب نيوزيلندا الأصلي. قدمت هذه الرقصة بوصفها نيوزيلندية وتعبر عن مشاعر الشعب النيوزيلندي بأطيافه كافة. تعود هذه الرقصة إلى الشعب الأصلي الذي لاقى الاضطهاد والتهميش في الأيام الأولى من تأسيس نيوزيلندا. شارك في الرقص بعض البيض والسمر ممن تعود أصولهم إلى أوروبا وأفريقيا. في رسالة تؤكد وحدة النيوزيلنديين ونبذهم للماضي البغيض.

كل طائفة في تلك البلاد القصية تعيش تحت مظلة العلمانية. تحتمي من شر غيرها بنظام التعددية. إذا مرت هذه الحادثة الشنيعة من دون عقاب ومن دون ردة فعل شعبية عارمة سوف تسوغ الاعتداء على غير المسلمين أيضاً، وفي النهاية سوف تلتحق نيوزيلندا بالدمار الذي نشاهده في الدول التي امتلك فيه طيف من المجتمع السيطرة على مواطنيه الأضعف منه. التنوع في العالم لا يتوقف على مسلم ومسيحي أو أبيض وأسود أو عربي وغير عربي. التنوع في العالم لا حدود له بل أصبح تنوعاً حتى على المستوى الفردي.

تجارب الأوروبيين مع المذابح لا تنسى. لم تشهد البشرية مثلها. لقنت هذه التجارب الطويلة والمريرة كثيراً من الغربيين الدرس الضروري: إن الحياة لا تستقيم مع التعصب والعزلة. فقوى اليوم قد يتباهى بقوته على المستضعفين ممن يساكنونه لكن سيأتي عليه اليوم الذي يضعف فيه.

في زمننا هذا لم يعد من المتاح لطائفة من البشر أن يضربوا على أنفسهم العزلة استعلاء بسبب تفوقهم العسكري أو نقاء عرقهم أو أي أفضلية يظنونها في أنفسهم فالزمن الذي تنهار فيه حصونهم سيأتي حتماً. ما يجري في نيوزيلندا هو دفاع عن الحرية دفاع عن الإنسان دفاع عن التعايش دفاع عن المستقبل.

قال تعالي: (تلك الأيام نداولها بين الناس). العاقل من يتعظ.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد