تصفحوا إيلاف بثوبها الجديد

: آخر تحديث

سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  علي العميم

 

سيد قطب منذ أن كان من كُتّاب مجلة «الرسالة» كان يطمح أن يكون رئيس تحريرها الفعلي، وأن يكتفي صاحبها أحمد حسن الزيات بكتابة مقالها الافتتاحي! أو أن يكون رئيساً لتحرير مجلة ثقافية أخرى. وقد حقق له هذا الطموح الأخير أول مرة في حياته يوسف شحاتة صاحب دار نشر اسمها «العالم العربي»، إذ أوكل إليه منصب رئاسة تحرير مجلة ثقافية شهرية تصدر عن هذه الدار اسمها أيضاً «العالم العربي»، التي صدر أول عدد منها في 10 أبريل (نيسان) عام 1947، ولكن بعد صدور أربعة أعداد منها استغنى عنه يوسف شحاتة.
الدارسان الوحيدان اللذان تعرضا لقصته مع هذه المجلة هما: صلاح عبد الفتاح الخالدي في كتابه «سيد قطب: الشهيد الحي»، الصادر في عام 1981، وعبد الله الخباص في كتابه «سيد قطب: الأديب الناقد» الصادر في عام 1983م.
الخالدي قال في هذه القصة: «لم يستمر سيد في عمله في هذه المجلة، إذ تنحى عنها بعد صدور العدد الرابع منها، لأسباب لا نعرفها». أما الخباص فقد قال فيها: «وقد ظل سيد يتولى رئاسة تحرير المجلة مدة أربعة شهور فقط، أي حتى صدور أربعة أعداد منها، ثم رأى أن يتخلى بعد ذلك عن رئاسة التحرير، بل عن الكتابة فيها، وقد نشر سيد إعلان تخليه ذاك في عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية، حيث عزا تخليه إلى أسباب تتعلق بـ(مبادئه الخاصة)، مما لا مجال لتفصيله في الصحف، على حد قوله». وأحال الخباص في العبارات التي اقتطفها من إعلان سيد المنشور في بعض الصحف والمجلات إلى مجلة «الأديب» اللبنانية: ج8، السنة السادسة، سنة 1947، أغسطس (آب)، ص59.


وأكمل الخباص سرد القصة قائلاً: «وواصلت المجلة صدورها بعد ذلك، وتولى رئاسة تحريرها محمود العزب موسى، وكان يشترك معه في التحرير محمود تيمور بك، وظل يوسف شحاتة مديراً للإدارة. وحينما صدر العدد الخامس، كتب رئيس التحرير الجديد، كلمة قصيرة بعد افتتاحية العدد، عرض فيها لتخلي سيد قطب عن رئاسة تحرير المجلة، منكراً أن يكون ذلك عائداً إلى مبادئ خاصة، مكتفياً بالقول: وجدّت أمور بعد ذلك، أوجبت أن يستقيل الأستاذ سيد، أو يتنحى عن المضي في الإشراف على غرس يده. دون أن يبدي تلك الأسباب أو يفصح عن تلك الأمور التي جدّت. وكتب مدير الإدارة في العدد نفسه كذلك، كلمة قصيرة، أنكر فيها أن يكون تخلِّي سيد متعلقاً بـ(مبادئ خاصة)، دون أن يوضح بدوره الأسباب التي دعت سيداً إلى اتخاذ مثل هذا الموقف».
وبعد أن عرض لوجهتي نظر الطرفين المتنازعين: وجهة نظر سيد قطب من جهة، ووجهة نظر محمد العزب موسى ويوسف شحاته من جهة أخرى، حاول أن يصل إلى رأي توسطي وتوافقي، يجنّبه الحكم لطرف والحكم على الطرف الآخر فقال: «ونحن، وإن كنا نجهل الأسباب الحقيقية التي جعلت سيداً يتخذ ذلك الموقف، وإن كنا لا نعلم شيئاً كذلك عن الأسباب التي تتعلق بـ(مبادئه الخاصة)، كما يذكر سيد نفسه، أو الأمور التي جدّت وأوجبت استقالته، كما ذكر رئيس التحرير الجديد، فإننا نميل إلى الظن بأن أموراً شخصية بحتة هي التي جعلت سيداً يتخلى عن المجلة. ولسنا نرى أن الخلاف يتعلق بخلاف أدبي، أو مذهبي لأننا ما عهدنا سيداً يصمت حين يثور بينه وبين الآخرين خلاف من هذا النمط. ولو صمت سيد، ما كانت المجلة وإدارتها لتصمت بدورها كذلك. فالخلاف - في أغلب الظن - يعود إلى أمور شخصية آثر الطرفان عدم ذكرها، والصمت إزاءها».
في معلومات الخالدي عن تلك المجلة يعتقد أن سيد قطب اتفق مع يوسف شحاتة على أن يمول هذا الأخير مجلة باسم «العالم العربي»، وأن يتولى هو الإشراف عليها. وقد عرّف بيوسف شحاته على أنه رجل نصراني! وفي معلومات الخباص عن المجلة يحسب أن يوسف شحاته كان – فقط – مديراً لإدارتها. وهذا ما يشي به قوله في بداية حديثه عن المجلة: «صدرت هذه المجلة... وكانت - كما جاء في عددها الأول - مجلة شهرية علمية أدبية اجتماعية. وقد تولى سيد قطب رئاسة تحريرها، بينما كان يوسف شحاتة مديراً للإدارة». ويؤكد هذا الظن قوله السالف: «... وظل يوسف شحاته مديراً للإدارة». وكذلك تعريفه به آخر مرة ذكر فيها اسمه بأنه مدير الإدارة. ويحسب الخباص أيضاً أن اسم المجلة (العالم العربي) كان من اختيار سيد قطب. وهذا ما يوحي به قوله: «ولم تكن تسمية مجلة (العالم العربي) بهذا الاسم، دون قصد، أو تخطيط، ولكنها كانت مقصودة، إذ كانت المجلة تعنى بنشر موضوعات مختلفة على صفحاتها تتعلق بأقطار العالم العربي كافة».


معلومات الخالدي عن المجلة وتعريفه بيوسف شحاته زوده بهما محمد قطب. وقد تعمد محمد قطب أن يزوده بمعلومات منقوصة وغير دقيقة ومضللة عن المجلة وعن يوسف شحاتة، معلومات جعلت من سيد قطب هو صاحب فكرة إنشاء المجلة، وجعلت من يوسف شحاتة مجرد تاجر مسيحي ممول للمجلة مالياً. أقول إنه قد تعمد هذا لأنه عاصر تجربة أخيه الأكبر في مجلة «العالم العربي»، وبالتالي يعلم أن الذي عيّن أخاه الأكبر رئيس تحريرها هو يوسف شحاتة، ولم يعين أخوه الأكبر نفسه. وأن هذا التعيين وفّر له - وأعني محمد قطب - ولأخته حميدة التي تكبره في السن فرصة النشر فيها. وهو يعرف جيداً أن يوسف شحاتة ناشر وكاتب. لكنه طمس هذه المعلومة لضغينة أورثها إياه أخوه الأكبر تجاه هذا الرجل.


معلومات الخالدي عن المجلة التي اعتمد فيها على نفسه هو تصفحه لافتتاحية العدد الأول من تلك المجلة، ليقول: «وقد رسم سيد قطب في الصفحة الأولى من العدد الأول برنامجها ومنهاجها وغايتها وخطة سيرها»، وتصفحه لعددها الخامس، ليستشهد بما قاله رئيس التحرير الجديد محمد العزب موسى في السطور الأولى من مقاله «إيضاح لا افتضاح»، التي تضمنت إقراراً بفضل سيد قطب على المجلة. وهذا الاستشهاد المبتور كرره بعده عبد الله الخباص. والمعلومة الأخرى التي اعتمد فيها على نفسه نقلها مما حكاه علاّل الفاسي عن معرفته بسيد قطب حينما كان رئيس تحرير تلك المجلة، ليقول الخالدي: إن سيد قطب راح ينشر فيها التحليلات السياسية. هذه المعلومة نقلها من كتاب «الشهيد سيد قطب» لطائفة من الكتاب. هذا الكتاب يخبرنا عبد الله الخباص في مقدمة كتابه أن «جماعة الشهيد سيد قطب» أصدرته عقب إعدام سيد قطب، وأنه ضم عدداً من المقالات التي تعرض لحياته وفكره، بجانب الكلمات والقصائد التي قيلَت في رثائه. وهو يميل إلى أن الكتاب صدر في نهاية عام 1966، أو في بداية عام 1967، لأن كل ما ضمه الكتاب قد كُتِب عام 1966.
معلومات عبد الله الخباص عن مجلة «العالم العربي» اعتمد في إيرادها على استقرائه لأعدادها من العدد الأول إلى العدد الرابع، فعدّد بعض أسماء كُتّابها البارزين، وعدّد أسماء الشعراء الذين نشروا قصائدهم فيها. وأبان عن دور سيد قطب الكتابي والتحريري فيها، إضافة إلى نقله بعض ما قاله سيد قطب في افتتاحية أول عدد من أعداد المجلة، الذي يشرح فيه خطة عمل المجلة ويبيّن طبيعة توجهها. واعتمد في عرض قضية الخلاف الذي نشب بين سيد قطب ويوسف شحاته على عددها الخامس وعلى عدد مجلة «الآداب» المذكور رقمه وتاريخه أعلاه.


إعجابي بهذه الدراسة التي أعدُّها أول دراسة علمية تاريخية دقيقة عن سيد قطب، وأعتبرها الدراسة المعتمدة في التوثيق المعلوماتي عن حياة سيد قطب في مرحلتيها الأدبية والأصولية، وفي التوثيق الببليوغرافي عما كتبه وما كتبه الآخرون عنه، ومما يزيد إعجابي بها أن صاحبها استطاع أن يقدم دراسة موضوعية رصينة، رغم انحيازه لسيد قطب الناقد والأديب، ولسيد قطب المثقف الإسلامي، ولسيد قطب السياسي، ورغم أن سنه حين بدأ العمل عليها عام 1978، وحين نوقشت بوصفها رسالة ماجستير عام 1982، كانت سنه لم تصل بعد إلى الثلاثين عاماً، لكن هذا لا يمنع من التنبيه على خطأين وقع فيهما فيما كتبه عن تجربة سيد قطب مع مجلة «العالم العربي»، ولا يحول من إظهار صفحة غير ناصعة في حياة سيد قطب على مستوى الأخلاق، غطّاها بذريعة الوصول إلى رأي توسطي وتوافقي.
الخطأ الأول أن يوسف شحاتة لم يكن مدير إدارة تلك المجلة - فقط - بل كان إلى ذلك شريكاً. وباعها فيما بعد إلى شريكه. والمجلة كانت تصدر عن دار «العالم العربي» التي كان يملكها. والخطأ الثاني أن توجه المجلة إلى «العالم العربي» لم يكن لسيد قطب أي دور فيه. فهذا التوجه كان موجوداً أساساً عند دار النشر. ومطبوعاتها القديمة تشهد بذلك. وسيد قطب لا علاقة له بتلك الدار لا إدارة ولا نشراً. 
وللحديث بقية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد