: آخر تحديث

سيف التخوين وخنجر التكفير

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  أحمد أميري

بعد أن صارت القوانين تعاقب على استخدام خنجر التكفير الذي كان التيار الديني في الخليج يلوّح به لمنع النقاش حول أي من مسلماته التي لا أول لها ولا آخر، اهتدى التيار إلى سيف التخوين يشهره في وجه من يناقش مسلماته المحسومة في نظره منذ قرون خلت. 
فقد توصل هذا التيار إلى منطق في الإخلاص للأوطان والولاء لقياداته يتكوّن من مقدمة كبرى مفادها بأنّ الإخلاص والولاء من الثوابت الدينية، ومقدمة صغرى تقول إنّ الذي يطرح التساؤلات حول ذلك يهدف إلى الطعن فيها، ونتيجة هي أنّ الذي لديه تساؤلات دينية مشكوكٌ في إخلاصه لوطنه وولائه لقيادته!
ومع هذا، فللتيار الديني أن يضع منطقه الخاص ما دام لا يطبقه إلا على الذي يهزّ رأسه موافقاً، إذ أن نتائج المقدمات التي يسوقونها تصحّ مع مَن يُبصم بالعشرة على صحة تلك المقدمات، لكنها حتماً نتائج هزيلة وهزلية مع مَن لا يعترف بتلك المقدمات. 
ولنبدأ بالمقدمة الكبرى، فالإخلاص والولاء ليسا قضية دينية إلا لدى مَن ينتظرون ما يقوله رجل الدين في شؤونهم وعلاقاتهم وأحكامهم، إذ ليس الجميع حيارى في أمر الإخلاص والولاء، ينقبون عن أدلة شرعية عليهما في كتب قديمة لم يعرف واضعوها دولاً كالمعترف بها اليوم، ولا حكومات كالتي نراها اليوم، وكانت الدنيا في نظرهم: نحن وهم، وخليفة واحد يحكم الأقطار والأمصار كافة، وإذا ظهر خائن قوي انتزع منه السلطة انتزاعاً، فلهذا المغتصب السمع والطاعة، وللمسكين الذي كان شرعياً قبل لحظة واحدة السيف! ويبقى أتباع التيار الديني في تيه لا يدرون كيف ينزلون هذه الآراء غير المعقولة على الواقع أمامهم، فيطلّ عليهم رجل الدين من النافذة ويتمتم بكلمات حول الإخلاص والولاء، فيعودون إلى بيوتهم وقد هدأت عقولهم وسكنت نفوسهم. 


أما المقدمة الصغرى فـ«مِن» التبعيض في عبارة «الإخلاص والولاء مِن الثوابت الدينية» يكفي وحده لنفي الطبيعة الزجاجية عن الثوابت الدينية، فالتيار الديني يحاول أن يصوّر الثوابت الدينية كأنها قطعة زجاج، وبمجرد التساؤل حول ثابت من تلك الثوابت تنكسر القطعة وتتناثر. ولا أدري حقيقة كيف يمكن اعتبار من لديه رأي في تفسير آية واحدة ضمن آلاف الآيات القرآنية، قال به مفسّر واحد ضمن عشرات المفسّرين، كأنه يشكّك في الوطن والإخلاص له؟! 
كما أن تلك المقدمة الصغرى تفترض أن الطعن، ولا شيء غيره، هو غاية من يتساءل حول أي شيء يعتبره التيار الديني مسألة محسومة، فهذا افتراض ساذج يقوم على تصوّر أننا مُنحنا هذه العقول لتسلّم تسليماً لما يقوله رجال الدين. وإذا كانت هذه المقدمة صحيحة مع مَن أخلوا مسؤوليتهم عن استخدام عقولهم، فهي ليست صحيحة مع العقلاء. 


وحيث إن المقدمة الكبرى التي تقول إن الإخلاص والولاء من الثوابت غير صحيحة إلا مع من يعتقدون بها، والصغرى التي تقول إن الذي يتساءل حول أي شيء من ذلك يهدف إلى الطعن فيها جميعاً غير صحيحة إلا مع من يعتقدون بها، فالنتائج لا تصحّ إلا عليهم.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد