: آخر تحديث

فضاءات التعايش السلمي

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  صلاح الجودر

 لم تكن محاضرة (فضاءات التعايش السلمي في مملكة البحرين) التي أقيمت بالأسبوع الماضي مجرد لقاء أو سهرة ليلية لتلقي بعض المعلومات عن المراكز والفضاءات البحرينية التي ترسي دعائم التعايش السلمي، ولكنها ذهبت إلى أبعد من ذلك حين مارس الجميع في ورشة عمل قيمة التعايش السلمي، وتم قياس مستوى الخطاب التعايشي بالمجتمع من خلال المداخلات، وللأمانة كانت النتيجة مذهلة حين كان خطاب الجميع يسير ضمن مفهوم التعايش السلمي وقبول الآخر المختلف.

في مجلس جابري بالجسرة، وهو مجلس للمجتمع البهائي بالبحرين، تجمعت أطياف المجتمع البحريني بكل تلاوينها للحديث عن أهمية التعايش السلمي في ظل استمرار دعوات التطرف والتشدد والإرهاب، لذا جاءت تلك المحاضرة لتلقي الحجر في المياه الراكدة لمعرفة أهمية الحديث عن هذه القيمة الإنسانية الراقية (التعايش السلمي)!.

فالبحرين ومنذ مئات السنين تتمتع بمئات من المراكز التعايشية لمختلف الأديان والمذاهب والثقافات، وهذه الصورة ليست بجديدة أو مستنسخة، ولكنها تجلت وبشكل كبير مع المشروع الإصلاحي الذي دشنه جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة في العام 2001م حتى أصبحت البحرين موطن التعايش لكل الناس، لذا فإن تلك المحاضرة كان الهدف منها هو تسليط الضوء على المراكز التعايشية التي تشهدها البحرين، وآلية عملها ومشاركتها في رفد السلام والتسامح وقبول الآخر!.

التعايش السلمي هي الخصوصية التي يتمتع بها أبناء هذا الوطن، ففي الوقت الذي تشهد فيه الكثير من المجتمع صور العنف والإرهاب والحقد والكراهية نرى أن المجتمع البحريني بكل تلاوينه يتعايش فيما بينه، ولسنوات طويلة لم يكن البحريني يعرف دين جاره أو مذهبه أو حتى عرقه، كل ذلك بفضل حالة التمازج والاندماج الكامل، سواء في المحرق أو المنامة أو مناطق أخرى من البحرين، وهو الأمر الذي انعكس على استقبال الوافدين والزائرين، فالقادم من الخارج يشعر بشيء من الحميمية الجميلة في الاستقبال والترحيب والضيافة وغيرها!.

إن من أبرز المراكز التعايشية في البحرين هي المجالس الأهلية، وهي المجالس التي تفتح يوميا أو في الأسبوع يوما معينا، فيتم طرح الندوات والمحاضرات والنقاشات، ويخرج الجميع بتوصيات أو علاجات أو مقترحات تؤكد أن هناك حالة من التعايش بين الناس، والمجالس الأهلية بخلاف المجالس الإلكترونية التي تسمم العقول وتثير النعرات وتشعل النيران، فالمجالس الأهلية هي في حقيقتها مدارس يتعلم فيها الفرد ويتهذب في أخلاقه، وهذا هو الباب المؤدي للتعايش السلمي!.

البحرين لها بعد تاريخي في التعايش السلمي، فهي ضاربة في القدم لأكثر من خمسة آلاف سنة، وهي تراكم مجموعة من الحضارات القديمة مثل دلمون وتايلوس وأوال، ثم جاءت الحضارة الإسلامية لتزيدها التزاما بالأخلاق الحميد، وهو الأمر الذي جعلها محل أنظار العالم، فقد تم تدشين التعليم النظامي فيها العام 1919م، وكانت أول الدول التي تقييم المجالس المحلية في العام 1919م، والمحاكم الشرعية في العام 1928م وغيرها ما يؤكد أن هناك صورا للتعايش السلمي في هذا الوطن!.

التعايش السلمي دفع الكثير من الدول لفتح مدارسها الخاصة في البحرين وهي تحمل معها ثقافتها، فالكثير من المدارس الأجنبية التي جاءت إلى البحرين لقت كل الحفاوة والترحيب، وانخرط فيها أبناء الوطن بصورة تؤكد على عقيدة الشعب البحريني في احتضان الثقافات الأخرى دون أن تتأثر هويته وخصوصيته!!.

مع وجود المراكز التعايشية في البحرين منذ مئات السنين، إلا أن اندماجها وظهورها بالمجتمع البحرين وتقديمها للخدمات المجتمعية اليوم أصبحت كثيرة، وحاضرة في المناسبات الدينية والوطنية، فالكثير من تلك المراكز تقيم الاحتفالات بالأعياد الوطنية، فيشاركها أبناء المجتمع في تلك المناسبات التي تؤصل ثقافة التعايش السلمي والتسامح وقبول الآخر، ومن تلك المراكز معبد الهندوس الذي يعود عمره إلى أكثر من مائتي عام، وكنيسة المسيحيين إلى العام 1905م وكنيس اليهود إلى العام 1930م وغيرها مثل البهائيين والبوذا والبهرة والسيخ، هذا بالاضافة إلى الثقافة الإسلامية في المساجد والجوامع والحسينيات المنتشرة في كل مدينة وقرية لتؤكد على حالة التعايش والتسامح التي يعيشها أبناء هذا الوطن. وهو الأمر الذي يؤكد على الحرية الدينية، وأن هناك قوانين تحفظ حقوق الجميع، والدولة مسؤولة بالحفاظ على كل تلك المكونات، مع توفير الأرضية الصالحة لتمارس حقوقها الدينية.

لقد احتضن مجلس جابري في أمسية التعايش السلمي أطيافا من المجتمع البحريني، وهي محاضرة في سلسلة طويلة من المحاضرات التي تؤكد على قيم التعايش والتسامح والسلام، فقد اجتمع حولها دعاة التعايش والتسامح للتأكيد على حاجة المجتمع لمثل تلك المحاضرات، وهي رسالة لدعاة السلام في العالم للقيام بواجباتهم تجاه مجتمعاتهم. لقد جاء النداء الإلهي لكل الناس للتعايش السلمي: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (الحجرات: 13)، وهي دعوة صريحة للتعارف عبر مجموعة من القيم الإنسانية مثل التسامح والتصالح والتحاور والتقارب والتفاهم والتلاقي والتعاون والاحترام والثقة، وهذه ما يحتاجه أتباع الديانات والمذاهب والثقافات.

فالتعايش السلمي الذي دار الحديث حوله في مجلس جابري هو عدم الاعتقاد بأن الحقيقة في طرف دون آخر، وأن التعايش لا يعني الانصهار في الآخر، وأهمية نشر وتعزيز ثقافة التعايش السلمي من خلال المراكز المؤمنة بأهمية تعزيز السلام العالمي. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد