: آخر تحديث

الفروق الاجتماعية وقضية التسامح

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  عمار علي حسن

لا تلتحم الشرائح والطبقات والفئات الاجتماعية مع بعضها البعض تماماً، إذ تنشأ بينها مسافات أو فوالق وفوارق، تنشط فيها الصور الذهنية والأوهام، ومشاعر متبادلة من قبيل الحقد والحنق في مقابل التأفف والاستعلاء. لكن هذا الفراغ لا تصنعه الصور والإيهام طيلة الوقت، إنما ينبع أحياناً من حقائق وأمور مادية محددة المعالم والقوام مثل الأدوار التي يلعبها الناس في مجتمعاتهم، والتي تعد عنصراً أساسياً في نشوء الفروق الطبقية، منذ أن توزع الأفراد في القرون الغابرة بين من يقومون بالمهن السياسية، والمهن الحربية، والمهام الدينية، ثم الأعمال الحرفية والخدمية بمختلف أنواعها.
ففي المجتمع الإقطاعي الأوروبي كان تفوق النبيل السيد على الفلاح أو المزارع يعود إلى الدور الحربي الذي يؤديه الأول. وفي المجتمع الهندي يعود تفوق البراهمة إلى المهام الدينية. وفي المجتمع الحديث يجري الحراك، إما على بذل الجهد والذكاء، وإما لممارسة بعض الأنشطة العامة، التي تمنح النفوذ للبعض، وتبلور وضعهم الطبقي. وعلى مدار الزمن الذي وعى فيه الفرد بعلاقته بالمجتمع نشأ تحليل المجتمعات على ضوء الطبقات الاجتماعية، ما يعني أنه تقليد قديم راسخ، لم يفقد وجاهته عند العارفين في أي زمن.


ولم يخل تاريخ العرب من هذا، فالمؤرخون العرب استعملوا كلمة طبقة ليشيروا إلى الأعلام الكبار من الصحابة والفقهاء والمحدثين والشعراء والمتصوفة والقضاة والأطباء والصناع والتجار .. الخ. وفي مثل هذا التصنيف ما يشي بأن هناك مسافة قد تصل إلى حد الهوة بين كل أتباع كل طبقة، وداخل الطبقة الواحدة هناك مسافة بين فئة وأخرى، بل بين الأفراد المشكلين لكل طبقة. فليس كل الفقهاء أو الشعراء أو المتصوفة أو الصناع سواء في حظهم من المكانة والذيوع والمال، لكن لم يكن هناك ما يمنع تحركهم صعوداً وهبوطاً من طبقة إلى أخرى.
وكلما كانت البشرية تتقدم إلى الأمام كانت المسافات بين الطبقات تتضاءل، بعد اتساع الطبقة الوسطى، لكن الأهم نتيجة الحراك الاجتماعي المردود إلى عوامل عدة، ورسوخ التساوي في الحقوق والواجبات. وبقي الاستثناء هو التفاوت الطبقي الصارم، المبني على رؤى دينية قدرية لا تتزحزح، مثل ذلك الموجود في الديانة الهندوسية، التي تقسم الطبقات بين البراهمة، وهم الكهنة ورجال الدين، والكشترباس وهم المحاربون والأرستقراطية العسكرية والجنود، وهم يقومون على حماية النظام الديني الطائفي، ثم طبقة النايسياس المكونة من الحائزين للثروة من المزارعين والحرفيين والتجار، وفي الذيل تأتي طبقة السودرا التي تقوم على خدمة الطبقات السابقة.


وتمارس بين هذه الطبقات قواعد صارمة للتجنب، من منطق الاعتقاد في أن الاتصال أو الاحتكاك بين الطبقة الأدنى والطبقة الأعلى يقود إلى تدنيس الأخيرة. ولهذا توضع تقاليد في التقارب، والمساكن، وأنماط الغذاء وغيرها. وهناك طبقات وطوائف أخرى فرعية تعد بالآلاف، وهي مغلقة أيضاً، لا يلمس بعضها البعض، وقد أطلق المهاتما غاندي على أعضاء هذه الطبقة "خاريجان" أي "أطفال الله"، ثم أُطلق عليهم عام 1944 "المظلومون".


وطيلة التاريخ لم يتعامل أغلب أتباع الطبقات الدنيا مع وضعهم على أنه قدر محتوم، ولهذا عرف التاريخ صراعاً بين العبيد والأسياد في أيام الرق، وصراع بين المزارعين وملاك الأرض في زمن الإقطاع، وصراع بين العوام والنبلاء حتى قبل الثورة الفرنسية، وصراع العمال مع أرباب العمل في المجتمع الرأسمالي، وصراع بين المرأة والرجل في ظل النزعات الذكورية والنسوية، والتفرقة العنصرية الصائت منها والصامت، وصراع المستوطنين ضد السكان الأصليين في المستعمرات، والصراع القائم بين الشمال والجنوب.
وهذه الصراعات كانت تعني في جوهرها أن هناك فراغاً بين كل طرفين متصارعين، نتيجة إخفاق كل منهما في إفهام الآخر وجهة نظره، أو طبيعة مصالحه، أو إدراكه للواقع، وقد يتسع هذا الفراغ حال الدخول في صراع مفتوح، بما يضر ضرراً بالغاً بمسألة التسامح والسلام الاجتماعي.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد