قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

  محمد الرميحي

 

مع ضجيج «قرقعة» السلاح في منطقتنا، ينشط المتابعون لتحليل الحدث، ويتساءلون؛ هل هي حرب قادمة بين إيران والولايات المتحدة، أم أن الضجيج أقرب إليه عضّ على أصابع من يصرخ أولاً؟ هناك عدد من الافتراضات، والافتراضات المضادة بين الجانبين الإيراني والأميركي، بعضها صحيح، وبعضها الآخر متخيل. الافتراضات الإيرانية متعددة، وهي أن أميركا لن تقوم بشن حرب شاملة، ما هو متاح تكثيف الضغط من خلال تصعيد متدرج لخطوات «المقاطعة»، تزداد وتيرتها، مقرونة بحشد لآلة عسكرية متوسطة المدى، من ضمنها دبلوماسية الطائرات العملاقة «بي 52» والبوارج الضخمة. يمكن استخدام «تكتيكات مضادة» للتغلب على تلك المقاطعة من وجهة النظر الإيرانية. من ضمنها على المستوى الأدنى؛ التهريب والمقايضة مع دول قابلة لمقايضة البضائع الإيرانية علناً أو سراً، أو تخفيض ضخم في أسعار المنتجات النفطية. وعلى المستوى الأعلى؛ الضغط على الاتحاد الأوروبي، والتهديد بالعودة إلى التخصيب الفعال لليورانيوم، لدفعه إلى اتخاذ خطوات عملية تكسر المقاطعة الأميركية، كما يمكن استخدام أذرع إيران للهجوم المتوسط المضاد، في غزة، وإن لزم الأمر في لبنان للضغط على إسرائيل، وكذلك تهديد مصالح أميركية من خلال أذرع أخرى في العراق واليمن، ومن الخلايا النائمة المؤتمرة بأوامر طهران في أماكن أخرى، لن تكلفها شيئاً، فقط كمية من الدم الفلسطيني والعراقي، وكثير من الجوع للشعب اليمني، وكلها تساوى بضع رزم من الدولارات، مغموسة بكثير من الشعارات، والأخيرة مجانية! الصورة السابقة هي القراءة الإيرانية المعتمدة على فكرة أن التهديد لن يقود إلى اشتباك ساخن، لأن المعدة الأميركية غير قابلة لهضم حرب جديدة في الشرق الأوسط، كما أن تلك القراءة معزّزة بتحليلات غربية في دارسات تتحدث عن «أفول القوة الأميركية». كما أن الاستقطاب الحاد الداخلي، على خلفية انتهاك الرئيس ترمب قوانين سارية، والشجار مع الحلفاء أو الشركاء الاقتصاديين، كل ذلك ربما يؤذن بانسحاب أميركي من الساحة الدولية. 


الزمن أيضاً من وجهة النظر الإيرانية مهم، فهي تراهن على أن الإدارة الحالية لن يتسنى لها التجديد في الانتخابات القادمة، فالصبر على «غلاسة» الإدارة الحالية، التي تراهن إيران على سقوطها بعد عام أو أكثر، هو أفضل المتاح، وربما الصراع مع إيران سوف يفقدها الأصوات الداخلية في الانتخابات المقبلة، ويكرر سيناريو جيمي كارتر معكوساً، عندما تتعنّت إيران في إطلاق سراح محتجزي السفارة الأميركية في طهران عام 1979، وساعدت بذلك السيد رونالد ريغان الجمهوري على الوصول إلى البيت الأبيض وإطاحة الديمقراطي جيمي كارتر. تلك مجمل الافتراضات الإيرانية المبنية على تحليلات، وأيضاً تمنيات. هذه الافتراضات أو بعضها ليس غائباً عن القراءة الأميركية، فزيارة بومبيو، وزير الخارجية الأميركية، السريعة والخاطفة إلى بغداد قبل أسابيع أتت لتقليل المخاطر على المصالح الأميركية، وربما لتحذير الجانب العراقي من مغبة الإبحار عميقاً مع النظام الإيراني اقتصادياً وسياسياً، إلا أن بعض تلك الافتراضات هي من قبيل التمنيات، فشعبية الرئيس الأميركي ما زالت صامدة، واحتمال عودته لـ4 سنوات أخرى ممكن، كما أن افتراض قدرة الأوروبيين على تغيير سياسة واشنطن هو افتراض غير قابل للتطبيق، فالأوروبيون ليست لهم القدرة على التأثير في سياسة ترمب، ولا يرغبون في دفع ثمن اقتصادي أكثر من اللازم في مساندتهم طهران، تهديد الأخيرة للأوروبيين بأن يفعلوا شيئاً في غضون شهر، هو قفز في الظلام! إلا أنه من جهة أخرى، بعض الافتراضات الإيرانية قريبة إلى الواقع، منها أن لا حرب وشيكة بينها وبين أميركا، في ضوء مساندة دبلوماسية صينية روسية، خاصة في مجلس الأمن.
السيناريو من وجهة نظر إيران لا يتعدى «إدارة الصراع» والمراهنة على الزمن والاختراقات، وكذلك الإدارة الأميركية من جهة أخرى تعمل على إدارة الأزمة، وليس الحسم فيها. والافتراضات الأميركية قائمة في الغالب على أن الضغط وتطوير المقاطعة سوف يؤديان في النهاية إلى احتمالين؛ الأول أن تتشكل كتلة حرجة في الداخل الإيراني، تؤسس لحراك مجتمعي واسع، يقلل من قدرة النظام على الاستمرار، وهذا افتراض إلى حد كبير غير محتمل التحقق، لأن الشعوب الفقيرة لا تنتفض، ومع عدم وجود طبقة وسطى وشيء من الحريات، فإن تشكل تلك الكتلة الحرجة غير متاح في المنظور القريب، والثاني أن يرضخ النظام الإيراني، مع قليل من حفظ ماء الوجه، إلى التوجه إلى طاولة المفاوضات وإرسال وزير الخارجية «الظريف» إلى تلك الطاولة، ربما بمساعدة أوروبية. 


إدارة السيد باراك أوباما راهنت على التغيير من الداخل الإيراني، وكانت مراهنة لتشجيع وإغراء معسكر الاعتدال، من خلال توقيع اتفاقية عام 2015 التي تعترف بالنظام كما هو قائم، على أمل أن يقود ذلك إلى اعتدال في السلوك السياسي الإيراني واستبدال سلوك الثورة بسلوك الدولة، إلا أن تلك المراهنة فشلت بسبب بنية النظام الإيراني الآيديولوجية الشبيهة بالنازية، والتي لم تفهمها الإدارة الأوبامية حق الفهم، سياسة إدارة أوباما الاسترضائية أرسلت الرسائل الخطأ؛ حيث قرأت طهران تلك الاتفاقية على أنها ليست اعترافاً بنظامها فقط، ولكن أيضاً إطلاق ليدها في الجوار! كلا الطرفين الإيراني والأميركي يبني موقفه على افتراضات، بعضها متخيل، وقليلها صحيح، كما أسلفنا. المخرج الأقرب في إدارة الصراع الماثل أمامنا أن يتحول إلى ساحات أخرى، خاصة الساحة العربية، فتتصاعد التضحية بالدم الفلسطيني والعراقي واليمني وفي أماكن أخرى من أرض العرب، وما دام دماً عربياً وليس إيرانياً ولا أميركياً، فكلا الطرفين قابل لتقديم ذلك الدم كوقود للصراع، دون الصدام المكلف المباشر بينهما. وفي وضع عربي تختلف المراهنات السياسية فيه وتشتعل الحروب الأهلية، فإن الأرجح أن يكون الاشتباك الإيراني والأميركي على أرض عربية، وبثمن عربي، أسهل الحلول. كل التهويل بحرب إيرانية أميركية شاملة هي تمنيات إعلامية، لأن الجميع يعرف في طهران وفي واشنطن أنه إن نشبت الحرب، فلا أحد سيعرف كيف ستسير أو على أي شكل سوف تنتهي، وتكاليفها البشرية والمادية والسياسية سوف تكون باهظة. ما نشهده أمامنا هو استخدم أدوات «رجل الأعمال الأميركي Business man» بالاشتباك مع أدوات البازار، جلها «مساومة». مواجهة هذا السيناريو عربياً لا تكون بالانتظار و«الفرجة» واستقبال الكارثة، المواجهة تكون بأن تحسم بعض الملفات الخلافية العربية بسرعة وبجدية، وهي ملفات متعددة يحسن التدرج في غلقها، ومن الأسهل إلى الأصعب، وتكوين الكتلة الحرجة العربية التي تدافع عن مصالح العرب وتحقن دماءهم، ويكون لهذه الكتلة رأي فيما يحدث من صراع، وتتوخى الحيطة، وتعمل على خلق مشروع مقنع، بديل للمشروع السياسي الإيراني المطروح.
آخر الكلام... قدرة إيران على التخريب كبيرة، وقدرتها على المواجهة الشاملة ضئيلة، هي تختار الأولى، وتتجنب الثانية.