قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 محمد كركوتي

 

كان متوقعا أن تطلب واشنطن من دول الخليج العربية الموافقة على إعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة. هذه الإدارة الأمريكية "على وجه الخصوص" واضحة في مواقفها وتحركاتها، تماما مثل وضوح استراتيجية الخراب الإيرانية. كما أنها، تسعى إلى حماية مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة ككل. وسبق هذا التوجه الأمريكي الجديد كثيرا من المواقف الأمريكية الداعية لوقف إرهاب النظام الإيراني، بما في ذلك "رسائل" مباشرة وأخرى عبر وسطاء في مقدمتهم الاتحاد الأوروبي، الذي ظل يعمل من أجل إعادة تأهيل نظام فشل في كل امتحان وضع فيه، وفي أي اختبار خضع له. ماذا حدث؟ هدد نظام علي خامنئي أوروبا بإعادة تخصيب اليورانيوم، والانسحاب من الاتفاق النووي المهلهل أصلا. إعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة، جاء في الوقت المناسب حقا، كما تم وفق خطة مدروسة، ليس لشن حرب على إيران، بل لوقف محاولاتها لدفع المنطقة كلها إلى حرب كارثية، لا أحد يريدها إلا الأشرار.

الأمثلة التاريخية لا تحصى على هذا التوجه العدواني، كان آخرها الاعتداء السافر من قبل عصابات تابعة لخامنئي مباشرة على سفن تجارية في مياه الإمارات العربية، وآخر بعده بساعات على محطتي نفط في المملكة. الهدف هو نفسه الآن كما كان في السابق، نشر التوتر وأجواء الحرب على أوسع بقعة ممكنة، وضرب الإمدادات النفطية العالمية. أي أن النظام الإيراني لم يستهدف السعودية فحسب بل الاقتصاد العالمي برمته. إنها عقلية "قطاع الطرق"، وليست سلوكيات دولة. في مقابل ذلك، لم توفر المملكة أي جهد من أجل أمن مواطنيها، وحمايتهم بالطبع من أي شر إيراني بصرف النظر عن ماهيته. يضاف إلى ذلك، دورها التاريخي المعروف بالحفاظ على استقرار المنطقة كلها، ونشر الأمن الذي تستحقه، بل وطرح المبادرات الكفيلة بتنميتها الضرورية. الفارق لا حدود له بين إرهاب دولة وبين مسؤوليات دولة. كان لا بد من التحرك من أجل وقف شرور النظام الإيراني، ووضعه ضمن الإطار الذي يليق به وباستراتيجية الخراب التي يعتمدها منذ عقود.

والولايات المتحدة، كغيرها من الدول الكبرى، لها مصالحها الاستراتيجية، خصوصا في منطقة تشكل ميدانا للتجاذب والاستقطاب. تحركت بإعادة انتشار قواتها في الخليج مؤكدة أن هدفها ليس الحرب، بل هي لا تريد هذه الحرب، وكل ما الأمر ليس إلا ردع نظام لا يقبل بالحوار، ولا بالتصالح مع المجتمع الدولي كله. أثبتت التطورات في الأيام القليلة الماضية مرة أخرى، عمق وقوة التحالف بين المملكة والولايات المتحدة على وجه الخصوص. وهذا ليس جديدا بل يعود إلى أكثر من خمسة عقود، ويستند إلى المصالح المتبادلة بالطبع، والأهم أنه يقوم على أسس تتوافق تماما مع معايير المجتمع الدولي. وهذا الأخير بحد ذاته مستهدف، كما المنطقة، من استراتيجية الشر الإيرانية منذ أربعة عقود على الأقل. وكما هو واضح، لم تعد هناك أرضية للتفاهم مع طهران، بصرف النظر عن تصريحات مسؤوليها الذين أظهروا فيها رعبا شديدا من الغضب الموجه إليهم، بل ربما من زوالهم إلى غير رجعة، إذا ما تدهورت الأمور أكثر بفعل المنهجية العدوانية لهم. لا خيار أمامهم الآن سوى التوقف عن ممارساتهم الفاضحة، رغم أن ذلك يدخل ضمن نطاق المستحيل. في المملكة وغيرها من دول الخليج العربية التي وافقت على إعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة، لا عداء للشعب الإيراني. هذا الأخير هو أول ضحايا نظام لا يجيد العيش ضمن المنظومتين الإقليمية والدولية. إنه نظام يفهم سياسة العصا لا السلام، ويعرف تماما كيف يدمر أي وسيلة تقود إلى هذا السلام. عليه أن يتحمل تبعات ما يقوم به ليس الآن، بل منذ أن أطلق استراتيجية الخراب القائمة على أسس طائفية مشينة. أطلقها لتحقيق أحلام يضعها المجتمع الدولي على قوائمه السوداء.