قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

 عبدالله بشارة

 وفق ما ذكرته الصحف اليومية، هناك مقترح من بعض أعضاء البرلمان بتخفيض نسبة من رأسمال صندوق التنمية الكويتي للاستثمار داخل الكويت، في حدود %20 تخرج من خزينة الصندوق من أجل اشغالها في مشروعات داخلية.. لا أجد مبرراً لمثل هذه الخطوة التي هي بمنزلة كمين مفاجئ للوصول إلى آليات العمل التي يتبعها الصندوق، والتأثير في مساره وتشويه الفلسفة التي يرتكز عليها منذ ولادته، والتي نبتت من الإيمان بنشر الفضيلة السياسية التي تلتزمها الكويت، في مسعاها للمساهمة بالتنمية في مختلف دول العالم التي تظل بحاجة الى المساعدة. لم يأتِ ميلاد الصندوق من حضن السياسة فقط، وإنما جاء من نبع المشاعر الإنسانية التي كانت دائماً محوراً في السلوك العام للكويت، كإمارة ثم دولة، ولا يمكن تفسير حصر المساهمة في بداية عمر الصندوق في الدول العربية فقط بأنه حصيلة اعتبارات سياسية، إنما تولد من تقديرات مالية، فمع تراكم الرأسمال وتجذر الخبرة واتساع المعرفة، امتد النشاط إلى جميع الدول النامية، حتى وصل إلى الصين في آسيا وإلى جميع دول العالم التي تتماشى ظروفها مع ضوابط العمل. 

سارت المساعدات إلى دول لا تلتقي مع الكويت لا فكراً ولا سياسة، وليست لها اتصالات تجارية أو ثقافية معها، فنرى فيتنام ولاوس ونرى جزر البحر الكاريبي وبعض دول أميركا اللاتينية، كما تتعرّف على جزر في المحيط الهندي مثل مدغشقر، وجزر في المحيط الهادي مثل جزر فيجي، لم يتوقف الصندوق في امتداداته أمام صعوبة الجغرافيا وتضاريسها، أو من تباعد المسافات وضعف المواصلات. كان الصندوق حاملاً رسالة معبّرة عن محتوى الكويت الإنساني الثقافي ومنظورها السياسي، وغريزتها في العون والمساعدة ومضامين التعايش الايجابي بين الشعوب والمتناغمة مع ضرورات السلم الكوني. شاهدت تحرّكات مسؤولي الصندوق بحيوية وبإيمان في مهمتهم، وبتقدير عال لنبل المأمورية التي قبلوا لتحقيقها خلال عملي في الأمم المتحدة وفي مجلس التعاون، وشدني حرص القيادات الأفريقية على الاجتماع مع ممثلي الصندوق والجلوس معهم، فعندما كنا في رحلات مع سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد وقبله المرحوم الشيخ جابر الأحمد، كنت أستغرب اختيار هذه الزعامات الأفريقية ممثلي الصندوق للقاءات ثنائية، إدراكاً من هذه الزعامات للدور المميز للصندوق وخلوّه من التعقيدات السياسية، كان الحرص على الدعم قبل السياسة، وعلى التفاهم المشترك على دور مستمر للصندوق في داخل دولهم، بعواطف ايجابية ترافق أعمال الصندوق. كان طيب الذكر السيد هشام الوقيان ضمن أعضاء الوفد الكويتي الذي قام بزيارة شمال أفريقيا بعد تحرير الكويت، وكنت ضمن الأعضاء، وكنت أبحث عن هشام فأكتشف أنه ذهب مبكراً للاجتماع في وزارات المالية والاقتصاد والتخطيط في هذه الدول، بناء على طلب المسؤولين فيها، كانت لخبراء الصندوق صداقة مع هؤلاء المسؤولين، مكّنتهم من فتح قنوات تواصل مباشر متجاوزين البيروقراطية المعوّقة. نجح الصندوق في تخريج كتائب كويتية مؤهلة للمهمة، مؤمنة بالمسؤولين وقادرة على تحمّل مشقاتها،

وكانت هذه الكتائب جيش الكويت الإنساني المسالم الذي عبر البحر وتجاوز الصحراء، ودخل أدغال أفريقيا، لم يكن لهذه الكتائب الاعلام الذي يشغل الفضاء عن انجازات الصندوق وعن فدائييه من الفنيين والمشرفين، ولم تكن لهم آليات التلميع، فساروا بتقليد يحافظ على مشاعر الجميع، فلا مفاخرة، وإنما الالحاح على أن الكويت تستخرج المسرات الانسانية من المساهمة، ويسعد أهلها بالتواصل، لا سيما مع المستحقين والمعسورين. وصلت ذراع الصندوق إلى عروق الدولة العميقة في هذه الدول، فتميّزت العلاقات بين الخبراء الكويتيين وبين السياسيين في هذه الدول بالحميمية والثقة المطلقة. كان همّ الكويت تحصين الصندوق بقواعد عمله التي تبتعد عن الصخب وتلتزم الهدوء، بعد أن برز كهيئة تحترم أصول الحرفية بالعمل الصامت، والالتزام بالفلسفة التي تنشرها الكويت، وأبرز ملامحها المشاركة من دون منة والتخفيف من غلاظة الحياة والإسهام من أجل عالم الأمن والسلام، واحترام حساسية الدول المستفيدة. كل هذا السجل الفاخر والانجاز المبهج والسمعة العالية تقدّمه لنا هيئة نفتخر بعطائها ونحترم جهازها ونحمي سمعتها، ونلتزم ميثاقها الإنساني النقي، ونطالب بالمزيد من امكانات لها، بلا تدخّل يربكها وبلا منافسات تشغلها، ومن دون المس بجوهرها، ولا تجاوز على خطوطها. زرع الصندوق في هذه الدول البعيدة والمخيفة البساتين المثمرة، عبر انجازاته في البنية التحتية وفي المشاريع ذات الأولوية في عوائدها، وشارك في وضع الخطة الاقتصادية المناسبة لعدد كبير من الدول، وتحوّل إلى الصديق الوفي لهذه البلدان، فالعطاء لا يتأثّر بالحسابات السياسية ولا بالاعتبارات الايديولوجية، وإنما المقياس الوحيد هو الأهلية التي يملكها المشروع، وفوق ذلك بشروط بسيطة، وفي حالات كثيرة يتساهل الصندوق في القروض إذا ما تعثّرت الدولة في السداد، والواقع أن المرحوم الشيخ جابر الأحمد أسقط جميع الديون العائدة للكويت على الدول النامية في خطابه عام 1990، وواصلت الكويت نهج المراعاة من دون تضييق. يعيش صندوق التنمية في مناخ خاص، يشرف على مساره وزير متخصّص، على دراية بما يجب أن يكون، من أجل ضمان الوصول إلى التنفيذ السليم للمعاني التي انطلق منها الصندوق. هذا السجل الناصع أضفى على الكويت صورة خلابة وسمعة عطرة وحصاداً مبهجاً، واعترافاً محفوراً في العنوان السياسي والإنساني لهذه الدول المستفيدة، وهي أغلبية المجتمع العالمي.

صندوق التنمية منظومة خاصة بكيان مستقل وبإيقاع فريد، ومفردات لصيقة به وتفاهمات عابرة للحدود وحصاد غزير، جاء كل ذلك من تربة باركها السخاء الذي صار عنوان الكويت، وليس من الحكمة اخضاع هذه المنظومة المستقلة للاعتبارات السياسية الانتخابية في الكويت. فكل ما تريده الكويت هو كف الأذى عن الصندوق؛ ليواصل مسلكه الإنساني العظيم من دون تدخّل، الكويت موطن دبلوماسية الأفراح وصندوق التنمية أجمل إيقاعاتها. عبدالله بشارة