قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

 محمد علي فرحات 

في السودان اليوم يجب أن يدرك العسكريون أن المدنيين لا يثقون بهم ويميلون إلى الحذر في التعامل معهم، وذلك نتيجة التجارب المرّة للحكم العسكري في عهدَي جعفر النميري وعمر حسن البشير، خصوصاً في حكم الأخير الذي جمع بين الإسلام السياسي وسطوة الدولة المسلحة بما أساء إلى الإيمان الإسلامي وإلى الدولة الوطنية الجامعة. وصار في إمكان المدني السوداني اليوم أن يشير بإصبع الاتهام إلى حكم البشير بأنه كان السبب الرئيسي في انفصال الجنوب حين لم يتحمّل تعدّدية فكرية ودينية كانت دائماً سمة الشعب السوداني والدافع إلى كونه متسامحاً بشهادة الغريب قبل القريب.


وفي السودان اليوم يجب أن يُدرك المدنيون أن تاريخ دولتهم عملياً هو تاريخ الحكّام العسكريين، وأن حكم المدنيين كان متقطّعاً واتّسم بخلافات على السلطة بين زعماء تقليديين وأحزاب فُصّلت على قياس أشخاص، وبحركات تمرّد في الأطراف حمل بعضها السلاح في وجه الدولة المركزية، تلك التي كانت قليلة الوعي بأحوال المواطنين في بلد شاسع الأطراف ومتنوّع أشكال الاجتماع. وانحصر اهتمام أهل الدولة المركزية بالخرطوم وأم دُرمان، وفي أحسن الأحوال ببورسودان لكونها الميناء الرئيسي وشرياناً اقتصادياً لا يمكن إهماله.

والسودان الذي استقل عن مصر في مطالع خمسينات القرن الماضي أحدث انقساماً في وحدة وادي النيل شارك في المسؤولية عنه جمال عبدالناصر الذي لم يستطع المحافظة على تلك الوحدة، في الوقت الذي كان يرفع شعار الوحدة العربية وينخرط في دولة مشتركة مع سورية ما لبثت أن تفكّكت، لتعود مصر إلى نفسها محتفظة لفترة بلقب الجمهورية العربية المتحدة واستبدلته لاحقاً وإلى الآن بلقب جمهورية مصر العربية. ولا نحتاج هنا إلى تكرار الكلام على مسؤولية عمر حسن البشير في الانقسام الثاني لوادي النيل بانفصال الجنوب. ولم يجد الرئيس السوداني المخلوع من واجبه، لحظة إعلان دولة جنوب السودان، الاستقالة من منصبه احتراماً لنفسه كرئيس.

الاجتماعات بين المدنيين والعسكريين في السودان اليوم تحتاج إلى جلسات كثيرة لاستعادة الثقة قبل فتح ملفات المستقبل لدولة تحتاج إلى إعادة تكوين، بعدما حطمتها قسوة الحكم العسكري وضيق أفق السياسيين المدنيين. ولكن، في كل الأحوال هي فرصة للطرفين للوصول إلى دولة مدنية سودانية تحترم الحريات وتحفظ الأمن لشعبها ولدول الجوار، من طريق الجيش والقوى المسلحة الشرعية التي تنفّذ القانون ولا تتخطّاه مهما بلغت سطوة سلاحها: الجيش حامي الدولة والشعب وهو حامي القانون أولاً وآخراً وبين بين.

ولعل عنصر الضغط الأساسي الذي يدفع المدنيين والعسكريين إلى اتفاق على إدارة المرحلة الانتقالية هو الشباب السوداني، بفتياته وفتيانه، الذي يرابط في الساحات داعياً إلى تخطي فشل تجربتَي المدنيين والعسكر، نحو دولة قانون مدنية تعترف بالتنوُّع وتنهض بالإنماء وتعي مصالح الجوار الجغرافي، ذلك أن حكم بلد غني بالبشر والثروات يحتاج إلى أفق واسع يتجاوز سطوة السلاح ومزاج السياسيين المحترفين.