قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 هدى الحسيني

 

أهمية شرق البحر الأبيض المتوسط أنه على تقاطع طرق بين ثلاث قارات: أوروبا وآسيا وأفريقيا. وتلعب دول مثل اليونان وتركيا وإسرائيل ومصر دوراً رئيسياً في هذا المجال، كذلك إيران والاتحاد الأوروبي - عبر اليونان وقبرص. وأيضاً إيطاليا وفرنسا اللتان توجد لهما شركات طاقة في المنطقة لديهما حصص كبيرة، علاوة على ذلك فإن القوى العظمى مثل الولايات المتحدة والصين عبر مبادرة الحزام والطريق لها دور أيضاً.
الأهمية الاستراتيجية للمنطقة سبب تعرضها للنزاعات الإقليمية، وفي هذا السياق فإن الاكتشاف الأخير للرواسب الهيدروكربونية يجعل الموقف أكثر توتراً. لقد زادت أنشطة التنقيب والحفر في السنوات الأخيرة، وتم اكتشاف عدد من حقول الغاز البحرية الواعدة، مما جذب انتباه الشركات الكبرى مثل «أكسون موبيل» و«توتال» و«إيني»، وكشفت دراسة أُجريت عام 2010 أن المنطقة تحتوي على 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و1.7 مليار برميل احتياطي من النفط، وإن كانت بعض المصادر توقعت أرقاماً أعلى. لكن في هذه المنطقة، فإن تحديد من له الحق في الوصول إلى هذه الموارد واستغلالها

مشكلة، حيث يتطلب الأمر التوصل إلى اتفاق بشأن «المناطق الاقتصادية الخاصة (EEZ)»، في حالات إسرائيل وقبرص ومصر تم هذا بنجاح، لكن الترسيم يظل موضع خلاف، وقد أثار هذا بالفعل اشتباكات في المنطقة. من بين هذه النزاعات هناك ثلاثة مهمة في ضوء الاكتشافات الحديثة للغاز: النزاع البحري اللبناني - الإسرائيلي، ولذلك نجد ديفيد ساترفيلد مساعد وزير الخارجية الأميركي، يكرر زياراته إلى لبنان لإيجاد حل. والحرب في سوريا. وأخيراً مسألة قبرص.
لم تتوصل إسرائيل ولبنان إلى اتفاق بشأن ترسيم حدود المناطق الاقتصادية الخاصة بكل منهما، وتقع بعض رواسب الغاز المثيرة للاهتمام على جانب سواحل الدولتين، وحتى الآن لا يوجد اتفاق على من يملك هذه الموارد. إسرائيل تبنّت موقفاً حازماً لتأكيد حقها في استغلال المواد الهيدروكربونية، لكن الأمور ليست بهذه السهولة، إذ احتجّت بيروت على هذه التحركات «بدعم من طهران».
هدد «حزب الله» بضرب سفن إسرائيل ومنشآتها إذا كانت تتدخل في مشاريع تطوير الغاز في لبنان. الحزب إيراني الانتماء والولاء، ودعْم إيران لهذا الموقف ينطلق من أن لديها خططاً محددة فيما يتعلق بشرق البحر المتوسط، وهذا ما يفسر موقفها من سوريا، هذه لم تكن منتجاً مهماً للمواد الهيدروكربونية قبل الحرب، إلا أنه لا يزال من غير الواضح كم من الاحتياطيات غير المستغلة التي لديها، لكن لا تزال سوريا تتمتع بأهمية ملحوظة في الجغرافيا السياسية لشرق المتوسط باعتبارها مفترق طرق لخط أنابيب. بسبب الحرب والعقوبات لم تعد دمشق قادرة على تصدير وقودها إلى أوروبا، فرأت الحل في تنويع صادراتها من خلال التعاون مع إيران وروسيا. الأولى تخطط لبناء خط أنابيب إلى البحر المتوسط وأوروبا عبر شمال العراق وسوريا، وهذا ما يفسر وجود إيران في هاتين الدولتين ودعمها القوي لنظام بشار الأسد. من جانبها تعتبر موسكو سوريا بمثابة قناة مهمة للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط. من ناحية الطاقة حصلت روسيا في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي على الحق الحصري لإنتاج النفط والغاز في سوريا، مرة أخرى يساعد هذا في فهم دعم الكرملين لحكومة الأسد. إن فوزه في الحرب الأهلية سيسمح لروسيا ليس فقط بتقوية موقعها في الشرق الأوسط، إنما أيضاً، في حال استطاعت تحمل التكاليف الكبرى لإعادة بناء البنى التحتية للطاقة في سوريا (تقدر بما بين 35 و40 مليار دولار)، فإن ذلك سيساعدها على الوصول إلى رواسب الوقود الأحفوري في شرق البحر المتوسط. المهم أن المشاريع الروسية - الإيرانية في المنطقة ستتجاوز تركيا، مما يقلل من النفوذ السياسي الذي تتمتع به باعتبارها مفترق طرق أساسياً بين الشرق والغرب. لذلك فإن تدخل أنقرة في سوريا ليس مجرد محاولة لوقف تشكيل دولة كردية، بل هو أيضاً إجراء لتجنب تنفيذ مثل هذه المشروعات التي من شأنها أن تقلل من أهمية تركيا الجيولوجية - الاقتصادية.

إن الوصول إلى البحر المتوسط ورواسب الوقود يقودنا إلى منطقة الصراع النهائية: قبرص.
أثارت اكتشافات حقلي «أفروديب» و«كاليبسو» آمالاً في جعل الجزيرة مركزاً لمنتجي الطاقة في شرق البحر المتوسط وحتى توفير فرصة لحل النزاع بين الجنوب اليوناني والشمال التركي المنقسم منذ عام 1974، لكن تركيا عرقلت الأمر وتبنت موقفاً عدوانياً، ولم تتردد في استخدام الجيش لحماية مصالحها. قامت تركيا أيضاً بأعمال استفزازية في بحر إيجه لثني اليونان الشريك الوثيق لقبرص عن التدخل في هذه القضية. لكن تأكيد تركيا في «تأكيد» مطالبها يشمل أيضاً بلداناً أخرى لا سيما مصر، وبصرف النظر عن الاستياء المصري من دعم أنقرة لحكومة «الإخوان المسلمين» السابقة، يتابع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مشاريع مهمة لتطوير احتياطيات الغاز البحري في البلاد، بالتعاون مع قبرص وإسرائيل. وكانت مصر قد وقّعت اتفاقية بقيمة 15 مليار دولار لاستيراد الغاز من إسرائيل. إن خطط مصر تتعارض مع خطط تركيا وهذا مثير للمشكلات لأن مصر عبّرت بنفس القدر عن استعدادها الثابت للدفاع عن حقها في استغلال موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.
ويقول أحد السياسيين الغربيين: على هذا النحو، فإن سلوك أنقرة يشبه سلوك بكين في بحر الصين الجنوبي، وعلى غرار ما يحدث هناك، فإنه يؤدي إلى إبعاد اللاعبين الآخرين في المنطقة ويدفعهم بالتالي إلى تعاون أوثق إلى درجة أن تحالفاً معادياً لتركيا ينشأ تدريجياً بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر.
أول ثلاث منهم تعزز شراكتها في مجال الطاقة والدفاع، وقد توصلت إلى اتفاق مع إيطاليا لبناء خط أنابيب جديد إلى أوروبا، وتأمل مصر في أن تصبح جزءاً من الاتفاق من خلال ربط حقل «ظُهر» مع خط الأنابيب هذا. لكن مثل خط الأنابيب الإيراني - العراقي - السوري، فإن مشاريع مماثلة تتجاوز تركيا،

وهذا ما يفسر معارضتها الشديدة. إن إجراءات أنقرة لتأكيد مزاعمها حول شرق البحر المتوسط هي بالتالي وسيلة للوصول إلى رواسب المواد الهيدروكربونية وكذلك محاولة لوقف بناء خطوط أنابيب من شأنها تجاوز أراضيها وبالتالي تقليل نفوذها الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي.
الأقرب إلى «غضب» تركيا هي قبرص التي تقع في قلب الجغرافيا السياسية للغاز في المنطقة، لكنها تحصنت. إن تركيا تعمل بقوة لضمان وصولها إلى هذه الرواسب الهيدروكربونية وتجنب فقدان وضعها كمفترق طرق رئيسي للطاقة.
أحمد داود أوغلو وزير الخارجية السابق، الذي طرح معادلة «صفر مشكلات»، لم يكن يعرف أن رئيسه رجب طيب إردوغان «ترونقه» كثرة المشكلات، يبحث عنها، ليخسرها الواحدة تلو الأخرى، ومن ثم ليبحث عن المزيد. سؤال أخير: إلى متى ستدوم «الصحبة» بينه وبين روسيا وإيران! وأيضاً بين روسيا وإيران؟