قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

 ليون برخو

مع قدوم الصيف وارتفاع درجات الحرارة، يحاول ملايين السويديين الاستفادة من قانون قد يبدو غريب الأطوار في أي دولة أخرى في العالم.
وقد يكون هذا القانون من أشهر التشريعات في السويد لأنه يخص كل فرد من سكان هذه الدولة البالغ عددهم عشرة ملايين.
بموجب هذا القانون، الذي يطلقون عليه allemansrätten يحق لكل شخص في البلد أن يتنزه أو يخيم تقريبا في أي بقعة من الأرض وفي أي وقت من أوقات السنة.
وأظن من الصعوبة بمكان تقديم ترجمة عربية موائمة للمصطلح السويدي أعلاه. قد تكون عبارة "كل شخص له الحق" أقرب ترجمة إليه.
وممارسة هذا الحق لا ترافقه إلا شروط بسيطة، منها عدم العبث بالطبيعة. وفي حالة وجود مساكن خاصة يجب الابتعاد عنها فقط مسافة 70 مترا. عداه، لكل سويدي الحق في أن يتجول أو يتنقل أو يتنزه أو يخيم أو يقيم لأي فترة يراها مناسبة في أرض الله الواسعة في هذا البلد.
ولا تستثنى أي بقعة من الأرض، عدا المناطق السكنية، من هذا القرار. وإن أخذنا نعمة الأمان والطمأنينة التي يعيشها البلد، لا يترك السكان أي بقعة مهما كانت عصية أو بعيدة إلا وذهبوا إليها ونصبوا خيمهم فيها.
ولأهمية هذا القانون فقد جرى تضمينه في الدستور السويدي في عام 1994؛ ومن سماته أنه يحق للسياح والزوار الأجانب التمتع بجميع الامتيازات التي يمنحها للمواطنين السويديين.
والامتيازات كثيرة منها التزلج على الجليد والثلج في الشتاء في الجبال أو البحيرات وقيادة الدراجات الهوائية والسيارات في أي بقعة في السويد.
ما يميز هذا البلد أنه ليس هناك إلا مسالك وبحيرات وضفاف أنهر وشواطئ معدودة تعد ملكا صرفا أو خاصا يحق لأفراد محددين التجوال فيها دون غيرهم؛ عداه كل شيء ملك عام.
وهناك نحو 200 ألف بحيرة في السويد، مياهها عذبة وتعيش فيها أنواع مختلفة من الأسماك يحق لكل شخص الصيد فيها ضمن شروط محددة وحسب القانون الذي نحن بصدده.

وما يثير الانتباه هو كيف أن الناس بأطيافهم المختلفة تحاول الاستفادة من القانون، لكن ما لاحظته أن الأجانب الذين استوطنوا السويد وحصلوا على جنسيتها من النادر أن يسعوا إلى التمتع بالامتيازات التي يمنحها، عدا صيد الأسماك في الأنهر والبحيرات.
وتراقب الدولة ممارسة وتطبيق القانون على أرض الواقع لأنها ترى فيه مؤشرا على الرخاء ومن ثم المساواة التي تتبناها في أغلب مناحي الحياة، منها مساواة الرجل بالمرأة وكذلك مدى اندماج اللاجئين في المجتمع السويدي.
عندما يمضي ملايين السويديين أوقات فراغهم وعطلهم في الخلاء والعراء واستنشاق الهواء الطلق، فلعمري هذا دليل على الرخاء والبحبوحة التي هم فيها.
وعندما يكون عدد النساء اللواتي يتنزهن أو يخيمن في العراء والمناطق الشاسعة تقريبا مساويا لعدد الرجال، فلعمري هذا مؤشر على المساواة وكذلك على الأمان الذي يمكن المرأة وحدها أن تجوب الفيافي والجبال والبحيرات والغابات دون خوف أو وجل.
وعندما يعزف اللاجئون وهم يشكلون نحو 10 في المائة من السكان الخروج من شققهم الضيقة صوب الطبيعة الخلابة، فلعمري هذا مؤشر على أن أمام السويد طريقا طويلا وشاقا لقطف سياسات الاندماج التي تتبعها.
وأكبر مدينة في السويد هي العاصمة ستوكهولم التي يقطنها نحو مليون نسمة؛ مع ذلك يرى فيها كثير من السكان أنها مدينة مكتظة فيحاولون الهرب صوب قصبات وقرى صغيرة لا يتعدى عدد سكانها ألفي شخص.
في هذه القصبات الصغيرة، يبني كثير من الناس بيوتا صغيرة ورخيصة "غرفة واحدة مثلا" ويأخذونها منطلقا للتجوال في الطبيعة والتنزه في البحيرات والغابات والجبال.

والصيف السويدي ماتع لأن قلما تصل فيه درجة الحرارة إلى 30 مئوية. والصيف هو كذلك فرصة لكثير من الناس لقطف أنواع شتى من التوت البري بألوانه المختلفة والفواكه والفطر التي توجد بوفرة في كثير من المناطق النائية.
وتنفق الدولة بسخاء لإيصال المواصلات العامة إلى أبعد نقطة وكذلك تمكين المواطنين من التواصل من خلال الشبكة العنكبوتية أينما ما وجدوا داخل البلد.
وقد مكنت هذه الميزة الناس من الابتعاد عن المدن والعيش في أي منطقة يختارونها ومن ثم مزاولة أعمالهم وأشغالهم من خلال التواصل الرقمي.
وعلى الرغم من أن الغابات الكثيفة تغطي نحو 60 في المائة من مساحتها، فإن السويد تعد الأكثر تطورا في العالم من حيث الربط بالشبكة العنكبوتية واستخدامها.
وما يميز المجتمع السويدي بصورة عامة هو عزوفه لا بل مقته لأي محاولة لإدانة الآخر أو الحكم عليه بسبب العمل الذي يقوم به أو ما هو عليه. يشترط الجميع تقريبا في أن السعي وراء السعادة يجب أن يكون الهدف الذي يجمعهم.
ولا يخشى الناس هنا الطقس حتى في أقسى أيام الشتاء حيث تراهم يجوبون الطبيعة من أجل الاستجمام والاستمتاع. هناك مثل سويدي يقول ما معناه: ليس هناك طقس رديء حتى وإن كانت درجة الحرارة 30 مئوية تحت الصفر؛ إن كل ما تحتاج إليه هو ارتداء ملابس ملائمة.
واليوم ظهرت إلى الوجود صناعة كبيرة قائمة بذاتها يعمل فيها الآلاف لتقديم الخدمات التي تمكن الناس من الاستفادة القصوى من القانون الذي يمنحهم الحق في الوجود والتنقل والتجوال والإقامة تقريبا في أي بقعة من أرض السويد التي تبلغ مساحتها أكثر من 450 ألف كيلومتر مربع.