قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حسن حنفي

لم يجد الوعي الأوروبي أصلاً يعتمد عليه إلا القوة والغلبة لنشر الحضارة الغربية خارج حدودها، فأصبحت قارات أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.. فرانكفونيةً وأنجلوفونيةً أو هسبانوفونية أو برتغالوفونية. وقاومت بعض الشعوب كي تبقي على لغتها الوطنية وثقافتها الموروثة، لكن الغرب أصبح هو المركز وما سواه (في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية) هو الأطراف، وتنتقل المعارف والعلوم من المركز إلى الأطراف.
وإذا كان الأصل يونانياً رومانياً، فقد تغلب الروماني على اليوناني، والإرادة على العقل، والقوة على الحكمة، واسبرطة على أثينا.. وظلت في الوعي الأوروبي الإمبراطورية الرومانية، حلمَه وحياتَه وغايته وأملَه، فجدّدها في الاستعمار الحديث.
وإذا كان الأصل يهودياً مسيحياً، فقد تغلب اليهودي على المسيحي، كما تغلب الاختيار والتفوق على المحبة والتواضع وحب الجار.
وإذا كان الأصل هو البيئة الأوروبية نفسها وأساطيرها القديمة، فإنها تقوم أيضاً على الحرب بين قبائل الجرمان والفال والفرانك. كل قبيلة تريد السيطرة على القبائل الأخرى، من خلال كراهية الآخر وعدم الاعتراف به، واعتباره مجرد «مجال حيوي» له، يستولي منه على موارده الأولية، ويستورد منه عمالته الرخيصة، ويصدر إلى أسواقه الشاسعة منتجاته.

الأوروبي وحده هو المتقدم، وغيره هو المتخلف أو السائر في طريق النمو على النموذج الأوروبي! يتمتع الأوروبي بعقل منطقي استدلالي برهاني علمي. في حين أن العقل غير الأوروبي هو عقل «بدائي»، «بري»، «غيبي»، «سحري»، «أسطوري».. مما يبرر سيادة الأول على الثاني وسيطرته عليه.
وفي غياب الأصل، انتشرت الاتجاهات المحافظة الجديدة، وصعد اليمين الأوروبي.. وكلها أيديولوجيات عنصرية، بدءاً من النازية التي قامت على تفوق الجنس الآري وتدني الجنس السامي، على نقيض «كلكم لآدم وآدم من تراب»، «وأنا شهيد على أن عباد الله إخوانا». كما ظهرت الرأسمالية وسادت، وهي تقوم على غلبة رأس المال وقوته، دون اعتبار للفقراء والكادحين والعمال والفلاحين، لأنها لم تقم على أصل بل اكتفت بالفرع، أي «المال يولد المال» حتى ولو كان عن طريق الاستغلال. ثم قامت الاشتراكية كرد فعل على الرأسمالية لاسترداد حقوق العمال، والمشاركة في فائض القيمة، والملكية العامة لوسائل الإنتاج. ونظراً لغياب الأصل أيضاً، وقعت هي كذلك في دكتاتورية البروليتاريا، والتقييد على حرية الفكر بدعوى حماية المصالح العامة، وخلق توتر مع المعسكر الرأسمالي، وسباق تسلح، وإقامة حوائط عازلة مع الغرب (مثل حائط برلين)، وتأسيس حلف «وارسو» رداً على حلف «الناتو».
وقامت في العالم الثالث مشاريع نهضوية تعتمد على تجربتها كحركات للتحرر الوطني من أجل الاستقلال والقدرة على الحشد الجماهيري.. تعتمد على أصالتها دون نقد للتجربة الاشتراكية رغم مساعدة المعسكر الاشتراكي لها ومدها بالسلاح. لكنها أيضاً لم تنقل التجربة الرأسمالية رغم اعتمادها على المساعدات المالية من البنوك والمؤسسات الدولية. أرادت الجمع بين التجربتين فيما يسمى «الاشتراكية الأفريقية» أو «الاشتراكية العربية». ونشأ الجدل الأيديولوجي حول «الطريق العربي للاشتراكية» للتأكيد على وحدة الأصل. وكان أنصار الخصوصية أقوى. فهي تقوم على التغير السلمي دون صراع بين الطبقات، وتقوم على تذويب الفوارق بين الطبقات دون إلغائها كليةً، كما تعترف بالدين كأحد مكونات الثقافة وليس بالضرورة «أفيون الشعوب». وقد نجحت التجربة في تأميم الشركات الأجنبية، وفي تكوين قطاع عام قوي قادر على تلبية حاجات الشعب، وفي تدعيم المواد الأولية، وفي الإسكان الشعبي، ومجانية التعليم والعلاج، والرقابة على الأسعار، وحماية الصناعة الوطنية، والقيام بمشاريع كبرى للتنمية. ومع ذلك كانت عيوب التجربة واضحة، إذ انتهت بتسلط الزعماء الوطنيين، وغياب الحريات العامة والمؤسسات الديمقراطية. كما أفضت هذه التجربة إلى نشوء طبقة جديدة مسيطرة، من إداريين وتكنوقراط أصبحوا طبقة عازلة بين الزعامة والشعب، تتسم بالازدواجية وتحركها المصالح الشخصية وقد غلّفتها بالخطابة المنبرية والثقة الزائدة بالنفس، لذلك لم تصمد في مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية.