قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

 عبدالله بن بخيت

أضعنا جهوداً وأموالاً طائلة على تفريعات الفكر المتطرف، يظن البعض أن الفكر المتطرف لم يمس سوى الجانب الأمني والديني، بيد أن الجدل الذي دار على وسائل الإعلام السعودية في فترة سيادة الفكر المتطرف تكاليفه باهظة والضرر العقلي الذي نشأ عنه كان أكبر من الضرر الاقتصادي والأمني.

يظن البعض أن حفلات الردح المتبادلة مع مفكري التطرف كانت مجاناً، لم تكن القضايا الساخنة آنذاك فقهية أو وطنية لم تكن قضايا أصلاً. أطلق أحد الرجال في مقابلة تلفزيونية رأياً قوبل بعاصفة من الرد والسخرية والتفنيد، كان رأياً سخيفاً بكل المعايير، لا يختلف على سخف كلامه طفلان. كثير منا يتذكر ذلك الرجل الذي أكد أن مبايض المرأة تتضرر إذا قادت المرأة السيارة، ِشكل هذا الرأي خلاصة الانحدار في الجدل. أطلق هذا الرجل كلامه على شاشة قناة تلفزيونية معتبرة، لن تقل كلفة تلك المقابلة عن عشرين ألف ريال، ولا نعلم كم كلفت مكافآت كتّاب مقالات الصحف التي علقت على كلامه ناهيك عن كلفة المنابر التي أيدته ودعمته والوقت الذي صرفه الناس في نقاش هذا الرأي.

أما الكلفة المعنوية المهدرة فلا تقدر بثمن، مجرد أن يجد مثل هذا الرأي صدى كبيراً تأييداً أو رفضاً أو سخرية سنعرف كمية العطب في البنية العقلية الجمعية، المسألة ليست في ذات الرأي ولكن في الجرأة على طرحه وحصوله على رد فعل وإجراء مقابلة مع صاحبه، ما كان هذا الرأي سيجد من يطلبه في مقابلة لولا أن بنية ثقافية تم تأسيسها مهدت له.

إذا استعرضنا القضايا المشابهة التي شغلت الرأي كعباءة المرأة ودخول الشباب المولات وحق العائلات دخول الملاعب الرياضية وقضية جوال الباندا سنجد أننا دخلنا في جدالات حتماً ستوصلنا إلى رأي صاحب المبايض.

هل كان من الممكن تفاديه، لا يمكن. تدهور نوع الموضوعات المطروحة للنقاش كان سريعاً وجارفاً، شدة الضجيج تضطر الجميع أن يتفاعل معها وأن يصغر العاقل عقله إلى أن يجد في داخل تفاصيل هذه القضايا منطقاً يتعامل معه.

لنفرض أن مدرساً شاهد عدداً من الأطفال يتخاصمون على قلم أو ممحاة، سوف يضطر أن يتنازل عن نضجه ويتعامل مع الجدل الدائر أمامه بمنطق من داخل الجدل نفسه، سيخفض من مستوى مصطلحاته ومن قدراته على التفكير ومن وعيه حتى يصل إلى القدرة على فهم وأفهام الأطفال، في الثلاثين سنة الماضية استدرج كثير من العقلاء والمثقفين للانخراط في هذا النوع من المنطق حتى فقد المنطق سلطته.

إذا كنا الآن نجاهد لاستكمال البنية التحتية من مطارات ومواصلات ومدارس وسكن، فمن باب أولى أن نعيد النظر في بناء البنية الثقافية والعقلية للجيل المقبل.