قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 حسن حنفي

الرحلات الرسولية جزء من علم السيرة في كل الأديان، والذي ظهر لدينا كأحد العلوم النقلية الخمسة، أي القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه. وقد تعددت مراحل التأليف فيه، من محور الرسالة إلى محور الرسول، من مراحل دعوته إلى شخصه في علم الشمائل. وهو يعتمد على الرواية مثل باقي العلوم النقلية، لكن مع تمحيص وتدقيق. 

كما تعدد التأليف في أنبياء العهدين القديم والجديد، وكتب المستشرقون حول النبي محمد صلى الله عليه وسلم أكثر مما كتب العرب في أنبياء بني إسرائيل، بمنهج علمي «تاريخي رصين»، واعتماداً على مادة تاريخية خالصة. الكتابة في تاريخ الأنبياء في ثقافتنا مازالت جزءاً من التاريخ المقدس لا يمكن تناوله أو استقاء مصادره إلا بما يتفق مع الكتاب والسنة.

وعلم «تاريخ الأديان» أو «التاريخ المقارن للأديان» علم تاريخي خالص، يحاول تخليص التاريخ مما علَق به على أيدي كُتّاب السيّر والروايات الشفاهية بعد أن تحول تاريخ الرسل إلى مواضيع للأدب الشعبي. ولعل التحدي الكبير في علم تاريخ الأديان هو التميز بين التاريخ والأسطورة، بين الواقع والخيال، حيث أصبحت حياة الرسل، والرحلات جزء منها، مواضيع للأفلام الروائية الطويلة مثل «الرسالة»، و«ظهور الإسلام» و«الشيماء».. مع أنه لا يجوز تصوير الأنبياء ولا الصحابة.
لقد قامت الدراسات حول «المقدس» وبيان تطوره من بذرته التاريخية الأولى، ووضعت قوانين لتطور الرواية الشفاهية. وتمت مقارنة صور الأنبياء في الكتب المقدسة، التوراة والإنجيل والقرآن. لقد خرجت صور الأنبياء من النصوص، ولم تخرج من أقوال الأنبياء. 
وقد بلغ النقد التاريخي للنصوص الدينية ذروته على أيدي ما عرف باسم المدرسة الأسطورية لدى كل من شتراوس، ورينان، وجينبر، وجوجل، وكوشو، وغيرهم. واستمرت في النقد الحديث عند بولتمان وديبليوس ومدرسة تاريخ الأشكال الأدبية. وقد تم ذلك بفضل اكتشاف الذاتية في العصر الحديث وعدم

وجود موضوع بلا ذات، والبداية بالوعي الذاتي «أنا أفكر» عند ديكارت وكانط. فالتاريخ بُعد في الذات وليس مستقلا عنها. ويتضح ذلك في الروايات التاريخية حول قصص الأنبياء. وتستطيع المسيحية، باعتبارها مبادئ أخلاقية، أن تقوم بذاتها دون الرموز التي نسج الخيال بعض صورها. هناك فرق بين مسيح الأديان ومسيح التاريخ، لأن الثاني لا تمكن معرفته لخضوعه للروايات. وتحولت نواة التاريخ إلى أسطورة. ثم تطورت الأسطورة في أذهان اللاهوتيين طبقاً لحاجات الكنيسة إلى الوعظ والإرشاد والدفاع عن نفسها.
وتظهر نشأة الأسطورة وتطورها من تاريخ تدوين نصوص العهد الجديد. والتشابه كبير بين الأناجيل، وهي روايات عن المسيح، والرسائل التي كتبها الحواريون مثل مرقص ومتى ويوحنا أو التابعون مثل لوقا وبولص، وتأثير البيئة اليهودية الإشراقية مثل الأسينية في فلسطين على نشأة القصة الدينية، وما اعتبرته الكنيسة غنوصيةً. والغاية من الأسطورة الدعوة والإقناع ونشر الرسالة. وقد اعتبرها بعض الآباء الأوائل هرطقة. ونشأت الأسطورة على نموذج يوناني سابق عند فيلون وفكرة التوسط.

نعم، لقد تحول الإنسان إلى إله بفعل الخيال الذي قاسه على نماذج سابقة؛ الإنسان الإله. ثم تحولت الأسطورة وأصبحت أكثر فاعلية في حياة الإنسان العملية، فأصبح الرمز منقذاً. وقد وصل الأمر إلى درجة إنكار الوجود التاريخي للمسيح. فالوجود التاريخي له لا يقلل من الأمر شيئاً. فالرسول رسالته وليس شخصه. ويكون برجسون أسعد الناس لو تكلموا في التطور الخالق والدافع الحيوي والديمومة، أي أفكاره، وأنكروا وجوده.
الأسطورة كائن تاريخي، ينشأ ويتطور، ولها نماذج سابقة في انتظار المخلص. وقد عظم التأليف في «قصص الأنبياء» من المؤرخين والأدباء. واستقل الموضوع عن علم العقائد وموضوع النبوة، وعن علم التاريخ، «تاريخ العرب والإسلام». وأتبع ذلك المحدثون، محافظين ومجددين. وأصبح جزءاً من الأدب الشعبي المدون.