قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

 محمد بدر الدين زايد 

من المؤسف أن خبر هدم مبانٍ أو منازل أقامها بعض اللاجئين السوريين في بلدة عرسال اللبنانية مرّ مرور الكرام في غالبية وسائل الإعلام القليلة التي أشارت إلى هذا الحدث، واختزل في مصادر إعلامية غالبيتها غير عربي، أشارت إلى رفض السلطات اللبنانية إقامة هذه المباني، وشكوى بعض هؤلاء النازحين من قسوة الظروف الجوية في الخيام المسموح بها لهؤلاء البسطاء الذين لم يتمكنوا من الهرب إلى مناطق وبلدان أخرى حيث كان يمكن أن يعيشوا في ظروف أفضل بكثير.


ما هو غائب كالعادة في عالمنا العربي هو النقاش المتكامل والمتعمق حول مثل هذه الأمور، وعدم مخاطبتها بشكل صريح، من دون اكتراث لتداعياتها المستقبلية وما يمكن أن تسببه من تعقيدات على خريطة سكانية مرتبكة وجاري إعادة تشكيلها على نحو غير واضح بعد.

ونقطة البداية، هي أنه لا ينبغي لأحد أن يتجاهل خصوصية الوضع اللبناني ودقة توازناته الطائفية، علماً أن اجماع غالبية مكوناته تقريباً على عدم الإخلال بهذه التوازنات بما يعنيه ذلك من عدم السماح بتوطين اللاجئين السوريين، أمر مفهوم، وقرار يمكن تبريره، ولكن ما يمكن مناقشته، هو كيفية تخفيف المعاناة الحياتية لهؤلاء اللاجئين، فخطر التوطين يكون باستقلال هذه الأسر في مبانٍ خاصة بها. أما إذا تم السماح من خلال مساعدات دولية لهؤلاء اللاجئين ببناء عنابر سكن آدمية تحوي عشرات الأسر النازحة، فلن يعني هذا توطيناً ولا يرتب حقوق ملكية أو إقامة طويلة الأجل، بل فقط الحد الأدنى من تخفيف معاناة الظروف الجوية من برد وحرارة، والقليل من الكرامة الإنسانية لهؤلاء.

هذا الخبر الموجع للشعب السوري الشقيق، يختزل خلفه الكثير من أبعاد الدراما السورية القاسية والممتدة لأكثر من ثماني سنوات حتى الآن، أولها أن سورية لم تعد خبراً متصدراً في الإعلام، صحيح أن هناك تغطية متفاوتة للمعارك الأخيرة في إدلب وتداعياتها، ولكن القليل عن سورية أصبح محل تداول إعلامي بشكل متعمد في ما يتعلق بالمناطق البعيدة عن جيب أدلب، والقليل يُذكر الآن عن المناطق الشمالية الشرقية التي تتواجد فيها قوات تركية وأميركية وبعض القوات الغربية وطبعاً الكردية، والكل يعرف تقريباً أن سيطرة الحكومة السورية وحلفائها على إدلب مسألة وقت، ولكن لا بأس من بعض الاستنزاف والإطالة ما دام ليس الكل راضياً عن شكل التسوية المتوقعة. ثاني تلك الأبعاد، هو أن الحديث خفت الآن عن ترتيبات تسوية تفاوضية، ليس لها أي داع أو دلالة حالياً، مع وجود طرف منتصر واضح يمكن تأخير احتفاله بالنصر الذي هو بطعم المرارة، وثمة تسريبات فاقدة الدلالة تصدر من وقت لآخر عن تسويات دستورية أو مفاوضات لا تجد أي صدى. يمكن الآن تحديد عناصر التسوية من الناحية الفعلية في قائمة محددة، أغلب عناصرها لم تكن محل نقاش في السابق، ومنها: إعادة الإعمار، وعودة النازحين، أما ما كان مطروحاً من ترتيبات سياسية تستوعب المعارضة السياسية، فيرتبط الآن بشروط القبول الدولي للأمر الواقع السوري، وبالمساعدة في إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين.

ثالثاً، آن الأوان لمعالجة جادة ولو متأخرة جداً لمسألة النزوح السورية، فبصرف النظر عما حدث للنازحين خلال هذه السنوات، وبدء عودة آلاف منهم إلى بعض مناطقهم السورية، ما زال ملايين من أبناء الشعب السوري خارج ديارهم، وخلقوا تجارب تفاعلية متباينة في مجتمعات النزوح. ففي بلدان معسكرات اللاجئين (لبنان والأردن وتركيا)، نشأت تفاعلات معقدة، إذا استثنينا منها تركيا التي استثمرتها بشكل دعائي كبير، فالحالتان اللبنانية والأردنية استضافتا في غالبيتهما المستويات الاجتماعية الأقل يسراً من الناحية المادية. وفي لبنان تحديداً، فكانت هناك تفاعلات بين المضيف والضيوف لم تكن في كثير من الحالات في شكلها الأمثل من دون تقدير كاف لتداعيات ذلك مستقبلاً على العلاقات بين الشعوب، وهو ما نعتبره أحد أسوأ مظاهر هذه الأزمة التي لم تلق العناية الكاملة. أما في حالة مصر التي استضافت مئات الألوف من السوريين، فكان هناك شكوى من عدم الاستجابة لمزيد من رغبات اللجوء، لما تمثله مصر من إغراء يسعى إليه الكثير من السوريين نتيجة توفر فرص العمل والتجارة، ويثبت ذلك المطاعم السورية التي حلت محل المصرية في كل أنحاء البلاد، فضلاً عن آلاف المتاجر والأنشطة التجارية والأعمال في المجالات كافة، إضافة إلى معاملة اللاجئين بصفة عامة معاملة مماثلة للمواطن المصري وبدرجة فريدة خصوصاً في ما يتعلق بفرص العمل وأشكال التفاعل الإنساني. ومن هذه الزاوية، فإن الأرجح هو أن الأشقاء السوريين وجدوا مجتمعاً مرحباً بهم، وبالمناسبة لم تحصل مصر على أي مساعدات دولية بهذا الصدد، وأتوقع بدرجة كبيرة أن من استضافتهم مصر سيضيفون إلى رصيد العلاقات الشعبية بين البلدين، بقدر ما يحتمل أن ينقص لدى من تم رفض منحهم تأشيرات الدخول من هذا الرصيد، على رغم أنني من المؤمنين بأنه بالاستناد إلى حسابات الوعي التاريخي للشعبين، فإن الحصيلة المتكاملة للموقف المصري الشعبي والرسمي ستكون إيجابية فيما عدا لدى التيارات المتطرفة الموظفة للدين. وعموماً، ليس القصد مقارنة بين كيفية التعامل مع اللجوء السوري في ضوء تباين الظروف العربية كما هو معروف، ففي كل الأحوال كانت هناك مظاهر لتأثيرات سلبية واسعة نتجت عن ظاهرة اللجوء السورية رغماً عن جهود الحكومات والشعوب العربية، وهناك تجارب سلبية من جميع الأطراف نتاج ظروف كانت في كثير من الأحوال أكبر من إمكانات هذه الحكومات وشعوبها وقدراتها، بما فيها الشعب السوري، ولم تسلم مواقع التواصل الاجتماعي من بعض سلبيات تطفو في كل دول الاستضافة من وقت لآخر، وسيكون من الخطأ الكبير عدم احتواء هذه الآثار بشكل سريع وبدرجة عالية من نضج عربي جماعي وتفهم سوري وعربي شعبي واسع.

رابعاً، إن القليل الذي ينقله الإعلام العربي والدولي عن هؤلاء اللاجئين، يكشف عن خشيتهم من استمرار العنف، وتهدم ممتلكاتهم، والأهم من هذا هو أنهم لا يشيرون من قريب أو بعيد إلى أن حكومتهم تدعوهم للعودة. وفي الحقيقة أنه في حدود علمي لا يبدو أن هذه الحكومة متعجلة في حدوث هذا، وكأن الذين فروا، فعلوا ذلك للتنديد بالنظام، على رغم أن من الواضح أنهم لم يجدوا أي ضمانات لحياتهم وأولادهم، ولا سبل عيش، بل ولم يرغبوا كذلك في الانضمام للمعارضة المسلحة، وأظن أنه آن الأوان للدولة السورية أن تتصرف كدولة وليس كنظام سياسي في التعامل مع ضحايا هذه الحرب من شعبها بشكل إيجابي، وتبدأ في إرسال رسائل التهدئة والترحيب بأبنائها الذين عانوا بشكل لم يعرفه المجتمع السوري في تاريخه. أفهم أن إمكانات حصول ذلك قد تكون صعبة في الأجل القصير ولكن ما تحتاجه سورية الآن على الأقل التطمينات والمصالحات وعلاج الجروح العميقة في هذا المجتمع. وعلى المضيفين من العرب بشكل خاص تحمل الفترة القصيرة المقبلة بقدر من الأريحية والحكمة وعدم التعجل، فمن دون ذلك قد تحدث جروح عميقة يكون علاجها أصعب، في ظل خريطة تفاعلات إقليمية سلبية لا تتوقف عن إنتاج الأسوأ.