قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ليون برخو


المراقب لأسعار النفط في الآونة الأخيرة لا بد أن ينتابه بعض الحيرة والتعجب. الأسعار، واستنادا إلى الدلائل الجيوبوليتيكية الراهنة، كان يجب أن تلامس سقفا مرتفعا جدا.
بيد أن ما نراه عكس ذلك. أسعار النفط رغم العوامل المساعدة لتثبيتها على مستويات عالية، هي في حالة انكماش.
سعر برميل نفط برنت استقر على نحو 60 دولارا للبرميل الثلاثاء الماضي، اليوم الذي أخصصه لكتابة المقال لصحيفتنا الغراء. والسعر يقل نحو عشرة دولارات عن المستوى الذي كان عليه في الشهر الماضي.
ماذا يحدث بحق السماء؟ ناقلات نفط عملاقة تحترق، أنابيب نفط استراتيجية يتم قصفها، حاملات طائرات ومعدات وجنود يتم إرسالها الى منطقة الخليج الغنية بالنفط والعالم يحبس أنفاسه توقعا لحرب ضروس فيها، مع ذلك ليس هناك قلق بالغ على فلتان الأسعار.
وقبل هذا، تفلح الولايات المتحدة في تقليص صادرات إيران إلى أدنى مستوى لها قد يقرب من الصفر، ضمن الحملة لفرض أقسى عقوبات عرفها التاريخ على نظامها، ويتقلص إنتاج النفط في بلدان منتجة رئيسة مثل ليبيا وفنزويلا ونيجيريا، ومع ذلك ليس هناك مدعاة إلى القلق.

قد يختلف كثيرون في العالم على الخطوات التي يتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في السياسة والاقتصاد، إلا أن الخطة التي اعتمدها، ليست لاحتواء إيران فحسب بل لتضييق الخناق عليها، يبدو أنها تؤتي أكلها.
كانت إيران تتصور أن العالم لا يمكن أن يستغني عن نفطها، حيث كانت تصدر أكثر من مليونين ونصف برميل في اليوم، وأن أسواق النفط سيصيبها اضطراب كبير في حال منعها من التصدير، إلا أن شيئا من هذا القبيل لم يحدث.
ثم عمدت إلى مهاجمة ناقلات النفط، وقام أتباعها من الميليشيات المسلحة بضرب مضخات أنابيب النفط لبث الرعب في الأسواق، إلا أن الأسواق لم تتزحزح، بل زادت ثباتا إن أخذنا ردة فعل الأسعار لأحداث كهذه في السابق.
وأظن أن الذي يجب أن يقدم الشكر لترمب وموقفه غير المرن البتة صوب إيران هي أوروبا الغربية. لولا سياسات ترمب الخاصة بتحرير التنقيب عن النفط وإطلاق العنان للاستكشاف والإنتاج، لكنا قد شاهدنا صعودا كبيرا في الأسعار نتيجة لأحداث كهذه.
تاريخيا، المتضرر الأكبر من الطفرات السعرية للنفط كانت أوروبا الغربية. والمستفيد الأكبر كانت الدول المنتجة، منها الأعضاء في منظمة أوبك.
ولا يخفى أن سياسة الولايات المتحدة في عهد الإدارة الجديدة لها ضلع فيما وصلت إليه الولايات المتحدة من معدلات إنتاج غير مسبوقة تضعها على قمة المنتجين في العالم.
منذ تسنم ترمب الرئاسة في كانون الثاني (يناير) 2017، أضافت الولايات المتحدة نحو ثلاثة ملايين برميل إلى إنتاجها حتى عبر سقف الـ12 مليون برميل في النهار أخيرا. وتعد الزيادة في الإنتاج طفرة كبيرة بكل المقاييس المعتمدة في الصناعة النفطية.

وإذا كانت سياسة الولايات المتحدة في الاعتماد على الإنتاج الصخري والرملي النفطيين لزيادة معدلات الإنتاج قد أربكت خطط إيران وأوصلتها إلى حافة الإفلاس، فإن السياسة ذاتها صارت تقلق الدول المنتجة بصورة عامة ومنها الأعضاء في منظمة أوبك.
كانت الأحداث الجيوبوليتيكة الحالية أو ما يشبهها أخبارا سارة للدول المنتجة حيث كانت تعقبها زيادة ملحوظة في الأسعار.
اليوم المنتجون الكبار من أعضاء "أوبك" ومعهم دول منتجة رائدة أخرى مثل روسيا والمكسيك وكازاخستان يبحثون عن طرق لإبقاء الأسعار في مداراتها الحالية، أي أغلب الظن الحفاظ على ما اتفقوا عليه قبل نحو نصف عام من معدلات لخفض الإنتاج.
وسياسات النفط عويصة أحيانا على الاستيعاب، لأن ما اتفقت عليه منظمة أوبك وأقرانها من خارج المنظمة كان بمنزلة بلسم لصناعة النفط الصخري في أمريكا.
وأمريكا دولة تؤمن بالأرباح وتبحث عنها أينما وجدتها. عندما تخفض "أوبك" الإنتاج، فإنها تدعم الأسعار: تقلل من إنتاجها وتزيد من إنتاج النفط الصخري الأمريكي وغيره.
وأعضاء "أوبك" وأقرانهم حائرون إلى درجة عدم اتفاقهم حتى الآن ليس حول ما إذا كانوا سيحافظون على نسبة التخفيض في الإنتاج، بل حتى على موعد محدد لاجتماعهم المقبل.

في خضم الصراع الأمريكي - الإيراني، طهران هي الخاسرة حتى الآن وسيزداد الوضع هناك سوءا دون شك في غياب حل للمعضلات التي أوجدتها لنفسها.
وفي الصراع على الاستحواذ على أسواق النفط، تكون الولايات المتحدة هي الرابحة والرائدة.
يبدو أن هناك قرارا استراتيجيا في واشنطن كي تصبح الولايات المتحدة رائدة ليس في إنتاج النفط فحسب، بل في إنتاج الغاز المسال أيضا.
ويبدو أننا أمام معادلات جديدة لم نشهدها سابقا في صناعة وإنتاج الطاقة الأحفورية التي قد تجعل التكيف مع الوضع الجديد بالنسبة للدول المنتجة التقليدية أمرا ليس يسيرا.