قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

FINANCIAL TIMES

مارتن ساندبو

"كم من دبابة لدى البابا؟". كان ذلك التساؤل افتراضا، الطريقة التي رفض بها جوزيف ستالين، فكرة أن يتم أخذ رغبات الفاتيكان في الحسبان، "في مناقشة مع الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية".
الاتحاد الأوروبي أيضا ليس لديه كثيرا من الفرق العسكرية "الدبابات" اليوم، لكنه يتمتع بشيء رائع.
النفوذ في أكبر سوق في العالم، فيما يمنح واحد من أكبر المصارف المركزية في العالم، الكتلة قوة تجارية تضاهي قوة الولايات المتحدة، لا مثيل لها لدى أي طرف ثالث. مع ذلك، فإن أوروبا إما أنها غير مدركة لقوتها وإما أنها تخشى من أن تمارسها."أم كلاهما؟".
غريزة الأوروبيين الأساسية لا تزال تتمثل في التعامل مع التجارة والتمويل باعتبارهما وسيلة لتحقيق غايات تجارية: الوصول إلى الأسواق، عبر ظروف يمكن التنبؤ بها لأعماله، وإيجاد وظائف وكسب دخول من المتوقع تتبعها.
الاتحاد الأوروبي لا يميل إلى استخدام نفوذه الاقتصادي لتحقيق أهداف سياسية بشكل واع ذاتيا، الأمر الذي يتطلب منه استعدادا للمخاطرة بفرص تجارية تخدم أولوية أكبر.
عقلية صاحب المتجر هذه مرتبطة بنفور أوروبا من النظر "في عين" أمريكا المتغيرة. يعيش عديد من الزعماء الأوروبيين على أمل أن تعود الأمور إلى طبيعتها "أي إلى ما يريدون" عندما يغادر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منصبه، ويشعرون بالقلق من حرق الجسور بصدامية مبالغ فيها.
على أن من الخطأ التعامل مع هذه الظاهرة في أمريكا باعتبارها انحرافا مؤقتا. حتى لو غير الأمريكيون رئيسهم عام 2020، فإن ما حدث مرة واحدة يمكن أن يحدث مرة أخرى.
ذلك أن أسس بناء نظام عالمي قائم على القواعد قد أضعفت بشكل لا رجعة فيه - بسبب فقدان الولايات المتحدة الاهتمام به من جهة، ومحاولة الصين إخضاعه لهيمنتها، من الأخرى.
انطلاقا من قبول فكرة أن على "أوروبا وحدها" حمل العبء، يجب على قادة الاتحاد الأوروبي التحرك نحو اتخاذ إجراء من أجل "أوروبا أولا" ليس بمعنى هزيمة الآخرين في ألعاب صفرية بالفوز والخسارة ، بل من خلال الكفاح من أجل نظام يمكن أن يزدهر فيه كل من يتقاسمون قيم الكتلة. هذا يعني جعل السياسة الاقتصادية الدولية ذات هدف صريح يتمثل في تشكيل القواعد العالمية في صورة مناسبة لتطلعات أوروبا.
في مجال التجارة، يقترب الاتحاد الأوروبي من إدراك - بكل معاني الكلمة - إمكاناته باعتباره قوة عظمى.
لقد تحرك نحو فرض قواعده المتعلقة بالبيئة وفض قضايا العمل والنزاعات الاستثمارية في الاتفاقيات التجارية. إنه يعرف تفضيلاته التنظيمية التي تنتشر غالبا من خلال "تأثير بروكسل"، حيث تسير الدول الأخرى على نفس مسار الاتحاد الأوروبي لتوفر على شركاتها، تكلفة اتباع أكثر من مجموعة واحدة من القواعد.
كما أن أوروبا تتمتع بفرصة أن تحظى بمزيد من خلال التحول من سياسة تجارية قائمة على التجارة في الغالب إلى سياسة جغرافية-استراتيجية، تسعى إلى تعزيز البصمة الأوروبية على كيفية حكم العالم.
على سبيل المثال، يمكن أن تربط السياسة التجارية بشكل وثيق أكثر مع سياسة المناخ. لا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يتجنب فرض ضرائب حدودية على الكربون، وعلى الواردات من بلدان لا تفرض ضريبة كربون محلية واسعة النطاقن على غرار الضرائب التي تفرضها أوروبا.
السياسة التجارية ينبغي أيضا أن تعزز تأثير بروكسل، ليتوسع نطاق نفوذ سلطة الاتحاد الأوروبي التنظيمية بشكل رسمي أكثر.
المحادثات حول العلاقة المستقبلية للكتلة مع بريطانيا، بمجرد حدوث "بريكست"، توفر فرصة عظيمة لبداية تحقيق ذلك.
في اقتراحها الذي طرحته في منتجع تشيكرز، اقتربت تيريزا ماي، رئيسة الوزراء من مواءمة بريطانيا تلقائيا وديناميكيا مع السياسة التجارية والتنظيمية للاتحاد الأوروبي، مقابل تجارة خالية من الاحتكاك في السلع. إن موقف حزب العمال المعارض، يقترب أكثر فأكثر، من ذلك أيضا.
مثل هذا النموذج لن يعزز سلطة بروكسل على البضائع في جميع أنحاء القارة؛ بل سينشئ كذلك بنية مفيدة للمناطق المجاورة الأوسع.
ما إن يتم إنشاء سوق خالية من احتكاك السلع لبريطانيا وتركيا وشمالي إفريقيا، يمكن دخول مناطق هامش ما بعد الاتحاد السوفييتي تدريجيا، مع توفير قواعد الاتحاد الأوروبي للاستقرار والازدهار، عبر محطات عبور للراغبين في علاقات أوثق في المستقبل.
علاوة على التجارة، يمكن للاستثمار العام شراء ميزة جيوسياسية أكثر من زيادة الإنفاق الدفاعي.
قوة بكين الاستثنائية للجذب السائدة بين دول الاتحاد الأوروبي الشرقية والجنوبية، التي وقعت على مشروع الحزام والطريق، هي انعكاس لما تقدمه الصين - الأموال المخصصة لمشاريع الحقول الخضراء أقل بكثير من الضجيج - وليست انعكاسا للكيفية التي انهار بها الاستثمار الأوروبي بعد الأزمة المالية.
هناك عديد من المرشحين لخلافة جان كلود يونكر في رئاسة المفوضية الأوروبية، من الذين دعوا إلى إيجاد مستوى مساعدات مماثل لـ"مشروع مارشال" في دول الجوار، أيضا.
ينبغي أن تكون الزيادة الهائلة في الإنفاق الاستثماري الجيوسياسي أولوية في موزانة الاتحاد الأوروبي للسنوات السبع المقبلة.
أخيرا، أظهر انهيار الاتفاق النووي الإيراني اعتماد أوروبا المستمر على النظام المالي المقوم بالدولار.
من أجل تحقيق الاستقلال الجيوسياسي، تحتاج أوروبا إلى تأسيس اليورو بصفته عملة احتياطية ضمن نظام دفع عالمي قائم بذاته بالكامل.
تحقيقا لهذه الغاية، فإن على البنك المركزي الأوروبي- المفوض قانونا بدعم "السياسات الاقتصادية العامة للاتحاد الأوروبي" - أن يوجه بتعليمات من قادة الاتحاد الأوروبي بإصدار أصول يورو آمنة وطويلة الأجل.
تبقى الولايات المتحدة هي القوة العسكرية العظمى التي لا مثيل لها، لكن حتى هي تحقق الكثير بالقوة الاقتصادية مثلما تحقق بالضغط العسكري.
حتى الآن، كان ضغطها على إيران ماليا –بالعقوبات بشكل مباشر ومن خلال تهديدات لدول أخرى لم تلتزم بمرئيات واشنطن، بشكل غير مباشر.
إن هناك قوة مماثلة هي قوة أوروبا تنتظر من يستحوذ عليها. ما يجب أن تدركه أوروبا هو أن الفيصل: ضرورة وجود الإرادة من أجل استخدام تلك القوة.