قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله بشارة

أعلنت وزارة الداخلية القبض على خلية إرهابية تمارس عملها ضد أمن مصر، وتقويض نظامها السياسي، تتكون من مصريين تمكنوا من التسلل إلى الكويت وتحويلها إلى موقع عمليات الخلية، وتزامن ذلك مع بلبلة حول انتحار «بدون» من أصحاب السوابق، وسط تهييج من أجل الإثارة، تسعفه مقالات وتدخلات إعلامية نقدية.. ومن كل ذلك جاءت تساؤلات اختلطت فيها أصوات بعض النواب حاملة أحزان المظلومية. لا جدال بأن المؤسسين الأولين صنعوا الدولة الكويتية التي أتت من عقد سياسي واقتصادي واجتماعي يتناسب مع واقع الكويت آنذاك، ويتفاهم مع جغرافيتها وينسجم مع الهمة التي أخذت هؤلاء الرواد إلى مغامراتهم في البر وأكثرها في البحر لاستخراج منابع الحياة.. في تعايش مع أهوال البحر، منها خرجوا إلى سواحل بعيدة في اطمئنان كامل على سلامة بنائهم الداخلي الذي ضم الجميع في عشيرة واحدة، تربطهم الغيرة على الوطن والالتزام بأمنه والحفاظ على هويته، وكانت رواية تجمع الإقدام بالإيمان وتعالج الضيق بالصبر وتتقبل الموجود بقناعة، ولم يكن الفصل التأسيسي خالياً من المصائب وبعيداً عن التهديدات التي لم تتوقف، فكلما ازدهرت معيشته وترسخ أمنه زادت شهية الآخرين، وتجاوزت الكويت هذه الصعوبات بسبب الحبال الحياتية والاجتماعية والسياسية التي ربطت الكويتيين فيما بينهم ومع حكمهم الذي كان راعياً وأميناً وملتزماً بعقد التأسيس. نجت الكويت من المجاعة خلال الحربين العالميتين، وتجاوزت الغارات التي شنتها قبائل الصحراء، وكان حاكمها في لندن عام 1919 يهنئ ملك بريطانيا جورج الخامس على الانتصار في الحرب الأولى، ولم تتعثر مسيرة الكويت البحرية وظلت متواصلة حتى تدفق النفط فتوقفت معها مغامرات البحر.. كان ذلك حوالي عام 1950.

ومع هذ الفصل الجديد الذي رسمته سلطة الطاقة، احتلت الكويت موقعاً في شبكة الاستراتيجية العالمية وكثر عشاقها وحسادها، وبدأت معركة ترسيخ الهوية والاستقلال، فكانت مضنية، بدأت سياسية ثم تحولت إلى تحرشات وابتزازات وتصاعدت إلى تهديدات ثم غزو، ويخرج أحفاد المؤسسين لتجديد عقد المبايعة والتفاهم -في مؤتمر جدة- مستوحين الثوابت التي رسمها الرعيل الأول. صاغ الكويتيون نظاماً سياسياً إنسانياً كريماً في عطائه، نبيلاً في أهدافه، وكبيراً في سلوكه، وطموحاً في انفتاحه، وسخياً في سعة ترحيباته، صار عدد الوافدين إليه أكثر ثلاث مرات من مواطنيه، وتقبل تواجد من أضاع ملفاته، وعاش فيه على أمل ركوب عربة المواطنة، سار كل إنسان فيه وفق ما يراه في إطار الالتزام باحترام القانون والانصياع له والابتعاد عن تحدياته، فكل من تواجد على أرض هذا الوطن يدرك ذلك، ولن يسمح من صنع هذا الوطن لأي متطاول على مكانته التاريخية، وسيتصدى لمن يتجاسر على هويته. فهذه التجارب التي عاشها الوطن شدت من صلابة عظامه ورسخت ضلوعه فحافظ على الملامح الانسانية السارة التي آمن بها، وصار وطن الأمل لملايين الراغبين في الوصول إليه ومكاناً مريحاً لمن عاش فيه واستهواه.

وصار علينا جميعاً، من المواطنين ومن الوافدين ومن الآملين بالالتحاق به، المحافظة على صحته وتأكيد أمنه وسلامة جسده، وأذكر هنا أن هذا الوطن لم نورثه وإنما هو صناعة أجدادنا وهم الرواد ومن تبعهم، وخرج من حصيلة فيها عزم نادر وكفاح مرير وعطاء غزير، وعرق كثير رغم شح الطبيعة وفقر الموارد وندرة مصادر العيش، نجحوا وشيدوا هذا البلد القائم على قيم التعاضد ونبل العقيدة وسخاء في العمل وكرم في التضحية. شيدت قبائل العرب بامتزاجها مع مجتمعات الفتح الاسلامي أوطاناً في شمالي أفريقيا وفي العراق وحوض الشام والسودان وورث الفراعنة كياناً بجغرافية بارزة في مصر، وفي سلطنة عمان وسواحل الخليج كانت كيانات بشرية تاريخية شقت طريقها كأوطان. لكن يظل تاريخ الكويت رواية أخرى، فمن ساحل حار وجو ساخن وبحر متقلب ومعيشة معقدة جاء وطن وكل ذلك من ذراع المؤسسين، وكفاح اللاحقين، وعزم المتابعين من أجيال تميزت بالعمل والتعريف بواقعها وسعت إلى المعرفة وانفتحت على حضارات واقتبست من الآخرين وحملت معها في أسفارها قصة الكويت وشرح تراثها.

وهنا لا بد من إبراز مكامن قوة البقاء، التي تمثلت في شرعية متوارثة تتكيف مع تحولات الزمن وتشابك سياسي واقتصادي واجتماعي ميَّز علاقات المواطنين بحكامهم وصار الترابط مصيرياً فلا انفكاك من حصانة العقد التاريخي ولا تآكل في معانيه.. هذا هو عنوان الكويت وكما تقول وزارة الداخلية يبقى من يحترم القانون، ولن يبق من يسعى لتطويع الكويت لما يريد، وتبقى مسؤولياتنا كمواطنين تجنُّب الإثارة والتحريض، ولا مكان للتباكي على المعصية. ترتفع الأوطان في ميزان التقييم العالمي بحجم مصداقيتها، وساحة شفافيتها، وآفاق انسانيتها، وإذا ما أردنا فحص هذه المقاييس ومدى تواجدها في كيان الكويت، سنقف على الحقائق التي رددها زوار الكويت من الاتحاد الأوروبي ومن الأسرة العالمية ممثلة بالأمم المتحدة، ومن تجمعات أهلية أفريقية وآسيوية، اسلامية وغيرها، في ارتفاع قامتها في وحدة القياس التي ذكرناها. ونستهدي بما يقوله العالم عن أميرها زعيماً للانسانية ورائداً للتنمية، باستحقاق دوّنه التاريخ، هذه الحقائق تدفعنا أن ندعو، مستوحين المحتوى الجميل الذي تمثله الكويت، بضرورات تجاوز مشكلة البدون التي يظل استمرارها لا يتسق مع المجرى المنعش الذي خطته الكويت في نهجها الداخلي وسلوكها الخارجي، ونشيد بالجهد المضني الذي يقوم به الجهاز المعني الذي يتعامل ليس فقط مع أشواك القضية، وإنما مع قذائف الاتهامات وغلاظة المفردات من مختلف المصادر بما فيها تطاولات تأتي من بعض النواب، بدون تقدير للمسببات المتراكمة التي أوجدت هذا الملف. ولعل ما حدث مؤخراً يأتي بهمة مجددة لإغلاق هذا الملف المشين في سجل كويتي ناصع.