قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

FINANCIAL TIMES

  فيليب ستيفنز من لندن

قريبا سيصل فريق جديد إلى مفوضية بروكسل اللامعة التابعة للاتحاد الأوروبي. برئاسة السياسية الألمانية أورسولا فون دير لين، سيبحث الفريق عن سبل لتعزيز النمو الاقتصادي وزيادة النفوذ الأوروبي إلى أقصى حد في عالم غير مستقر ولا يمكن التنبؤ به. هنا أقدم اقتراحا متواضعا. يتعين على أوروبا أن تبني إطارا متميزا للاقتصاد الرقمي، نظاما بيئيا تزدهر فيه شركات التكنولوجيا وفقا لشروط يضعها الأوروبيون.
الأمر الشائع الذي ينشغل به كثيرون الآن هو تقسيم الإنترنت. الأنموذج الأمريكي التأسيسي يواجه تحديا من حديقة الصين المسورة. روسيا والدول الاستبدادية الأخرى تحذو حذو بكين. الجهات التنظيمية الأوروبية كانت تتحدى الممارسات المضادة للمنافسة التي يمارسها عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة، وتشير إلى أنهم يدفعون ضرائب أقل مما ينبغي. 

بالنسبة إلى أولئك الذين لم يؤمنوا بأن الحرب الباردة شكلت نهاية التاريخ وأدت إلى هيمنة أمريكية دائمة، لطالما بدا هذا التشتت أمرا لا مفر منه. على الرغم من السلطة المؤسسية الهائلة لحفنة من الشركات مثل "جوجل" و"أمازون" و"فيسبوك"، إلا أن التفضيلات السياسية والثقافية والوطنية ستفرض نفسها في مرحلة ما. الإنترنت أصبحت فاعلا كبيرا جدا في الحياة السياسية الوطنية ولا يمكن أن تستمر ملكا لمجموعة من التحرريين الأثرياء المنتمين إلى الساحل الغربي.

السؤال الملح بالنسبة إلى أوروبا هو إذا ما كان من المضمون الاستفادة من نجاح الولايات المتحدة و/أو الصين، أم أنها تريد إنشاء صرحها الخاص. ينبغي أن يكون الجواب واضحا. إذا كانت هناك إنترنت أمريكية وإنترنت صينية، يجب أن تكون هناك أيضا إنترنت أوروبية، إطار يستطيع الأوروبيون فيه اتخاذ قراراتهم الخاصة بشأن البيانات، والخصوصية، وحرية التعبير، وأمن الدولة، والضرائب، والمنافسة.

لا توجد دولة أوروبية واحدة لديها القدرة على أن تخوض ذلك وحدها. لكن مع النظام العام لحماية البيانات وسلسلة من القوانين المتعلقة بالمنافسة والضرائب، أظهرت المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي لديه الثقلان الاقتصادي والسياسي ليكون واضعا للقوانين بدلا من منفذ لها.
بالنسبة إلى كبار التحرريين في العالم الرقمي يعد كل هذا بدعة سيئة. لا شيء يمكن أن يكون أكثر ضررا من تقسيم العالم الرقمي. يجب أن تكون الشبكة مجالا واحدا، غير متأثرة بالحدود الوطنية وخالية من تدخل الدولة.
شركات وادي السيليكون لديها اعتراضات أخرى. التقدم التكنولوجي، كما تقول، يتطلب نظاما بلا تدخل. المعطلون يجب أن يكونوا متحررين من جميع القيود ليمارسوا التعطيل. بالتأكيد، يمكن أن يجمعوا كل بياناتنا الشخصية من دون طلب إذن، وينغمسوا في تهرب ضريبي كبير، ويتجاهلوا قواعد المنافسة بلا مبالاة. لكن سباق تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يدار وفق قوانين من هذا القبيل.
الحديث الصادر عن جيوش من المدافعين الأثرياء الذين نُشِروا من قبل هذه الشركات، مغر، كما أنه قائم على أساس واهن.«البلقنة» حدثت بالفعل. قد يكون التشقق في أوضح صوره في الصين، لكن الأنظمة الاستبدادية في جميع أنحاء العالم تبني جدران حماية وطنية خاصة بها.
الديكتاتوريون غير السعداء ليسوا وحدهم الذين يمانعون ويرفضون التنازل عن السلطة لعدد من شركات التكنولوجيا. بصورة معقولة، الحكومات الديمقراطية تريد بعض الرقابة على الشركات الرقمية التي تعمل داخل حدودها. يجب عليها الاستجابة لناخبيها. لماذا يجب على مواطني ميونيخ، مثلا، أو مرسيليا أن يجدوا حقوقهم في الخصوصية الشخصية، أو التوازن بين التمسك بحرية التعبير والأمن الفعال ضد الإرهابيين محددة من قبل أولئك الموجودين في بالو ألتو؟
لدى الأوروبيين وجهات نظرهم الخاصة حول أين يجب أن يبدأ اقتصاد السوق وينتهي، يرفضون أن تدفع الشركات مبالغ تافهة من الضرائب على أرباح تبلغ مليارات الدولارات، يتساءلون لماذا تتخيل هذه الشركات نفسها مستثناة من القوانين المصممة لمنعها من إيقاف منافسين أكثر ابتكارا.
عند هذه النقطة، يخرج المدافعون السلاح القوي، إن مستقبل العالم، كما يتهامسون، سيُحدَد من خلال السباق العالمي في إتقان الذكاء الاصطناعي. الولايات المتحدة والصين تتقدمان، وازدراء بكين لحقوق الخصوصية يعطيهما ميزة، لذلك يجب على أوروبا التفكير مليا، هل ترغب في الخروج من السباق من خلال إنشاء مجموعة جديدة من القوانين؟
أوروبا متخلفة عن الركب، الخطأ هو الخلط بين السبب والنتيجة، مشكلة أوروبا ليست مشكلة قوانين الخصوصية شديدة الصرامة أو الضرائب الرقمية العالية، بل هي تفتقر إلى الشركات ذات النطاق الكافي للتنافس مع الأمريكيين، وهي تكافح من أجل رعاية ثقافة الابتكار ولا تنتج ما يكفي من علماء الكمبيوتر المتفوقين. هذه ليست تحديات تجب مواجهتها من خلال الموافقة على القوانين الأمريكية.

حتى لو أرادوا ذلك، لا يمكن للحكومات الأوروبية أن تتجنب المطالب العامة بأن تكون لها كلمة في تشكيل المستقبل الرقمي. التقدم في تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي سيزيدان من الصراعات المحتملة، لا يكفي أن نقول لأولئك الذين يسعون إلى المساءلة العامة إنه عند سرقة بياناتهم، ينبغي لهم أن يجروا محادثة هادئة مع زوكربيرج اللطيف، أو يحتجوا لعدم وجود شيء يمكن فعله حيال الطريقة التي تتبعها "جوجل" في التلاعب بنتائج بحثها.
المفوضية الأوروبية المنتهية ولايتها حققت بداية جيدة من خلال ترويض بعض من أسوأ التجاوزات من عمالقة التكنولوجيا ووضع معايير خصوصية تتجاوز أوروبا من خلال النظام الأوروبي العام لحماية البيانات، ما تحتاج إليه الآن هو بنية لإنترنت أوروبية لا تشمل فقط المنافسة القوية والضرائب والرقابة على الخصوصية، بل أيضا حوافز للبحث وطرقا لمشاركة مجموعات البيانات العامة الواسعة في أوروبا. خلاف ذلك، فإن الغنائم ستذهب بالتأكيد إلى الصين والولايات المتحدة.