قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

علي القحيص


نادراً ما نجد أديباً يمكن أن يجمع كل هذه الاختصاصات وينجح فيها كما جمعها ونجح فيها معاً حبيب الصايغ، كونه شاعراً وكاتباً وصحفياً وناقداً ومثقفاً شاملا. كان يمسك خيوط العلم والمعرفة والمهنة بيد والسلوك والأخلاق والعلاقات الطيبة المتميزة بيد أخرى، مدركاً مداخل عالم الصحافة وخفاياها. هكذا عرفت وتعرفت على فقيدنا الكبير الأستاذ حبيب الصايغ (رحمه الله).
لقد رحل غاضباً متألماً ومحبطاً من وضع الأمة العربية والإسلامية، لما وصلت إليه أحوالها من خلافات ونزاعات وانقسامات، كما حدثني في آخر لقاء بيننا في مدينة الشارقة التي يحبها كما يحب مسقط رأسه أبوظبي.

كان رجلا مثقفاً شاملا من طراز خاص، أحب وطنه الإمارات وقدم له الكثير من خلال المناصب والمواقع التي شغلها ومن خلال علاقاته الواسعة في الأوساط الثقافية الخليجية والعربية، بل وحتى العالمية. كان حاسماً وصارماً حين يتحدث مدافعاً عن وطنه دولة، فيتحدث باقتدار وكفاءة وإدراك ووعي وموضوعية. وحين يتحدث عن قضايا العالم العربي، كان يتحدث باعتزاز عن عروبته، فهو كبير بمعرفته الواسعة وثقافته الشاملة. أما مهنته الصحفية فقد مارسها بحرفية وإخلاص نادرين، وهو المدرك والعارف بخفاياها. ففقيدنا من أوائل الصحفيين الإماراتيين الذين أسسوا الصحافة الإماراتية، وله فضل فيما وصلت إليه من تفوق وتميز وتفرد وتأثير في الساحة الخليجية والعربية، وله فيها تجربة طويلة ملهمة، حيث شارك في إنشاء صحافة إماراتية مؤثرة وفاعلة تليق بإنجازات وعطاء البلاد التي أحبها وأخلص لها طوال حياته وإلى أن أغمض عينيه.

ميزة الراحل حبيب الصايغ أنه لا يخاف ولا يجامل ولا يهاب في قول كلمة الحق لومة لائم، وهو صريح وواضح وخالي من العقد وبريء من الكذب والرياء والتملق، وكثيراً ما دافع عن وطنه بشراسة المقاتل وبسالة الجندي في معركة الخطوط الإمامية، لامتلاكه ناصية الكلام المقنع والحجة القوية الدامغة.
عرفته هادئاً خجولاً حين تستتب الأمور وتهدأ وتستقر، مقاتلا شرساً وبطلاً مغواراً في ميدانه، حين تتعرض الإمارات لأذى من بعض خصومها، ناقداً لاذعاً صريحاً حين يقصر أحد أو يتهاون في عطائه لصالح الوطن وخدمة المجتمع.
بصراحة واختصار، لقد فقدنا كاتباً كبيراً، وشاعراً مبدعاً، وصحفياً مقتدراً.. أي مثقفاً نادراً في شموليته وغزارة عطائه وقوة إبداعه وتميزه، وكرم أخلاقه، وسعة صدره. كان «حبيب» يحتوي جميع المثقفين والإعلاميين والصحفيين العرب، رغم تبايناتهم وتناقضاتهم الكثيرة، بذكاء ودبلوماسية وروح أبوية حانية.. لما امتلكه من علاقات قوية وواسعة وشاملة مع جميع الأطياف السياسية والثقافية والإعلامية.. ويقف على مسافة واحدة منهم جميعاً، دون تميز ولا محاباة، بغض النظر عن اختلافهم أو تطابقهم معه في وجهات النظر، لذلك تم انتخابه مرتين ليكون الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وكذلك اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، نظراً لتجربته الثرية والغنية وخبرته الواسعة وثقافته المبهرة التي طالما كان الجميع يغرف منها ويستفيد ويتعلم.
عزاؤنا في رحيل الغائب الحاضر الأديب حبيب الصايغ، إنه ترك إرثاً ثقافياً كبيراً ومتنوعاً، من الكتب والدراسات والبحوث والمقالات الصحفية.. التي تشهد على حياته العامرة بالعطاء والإنتاج والإبداع، في مسيرة أدبية وإعلامية غنية تتعلم منها الأجيال وتستلهم.
رحم الله «أبا سعود»، رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه.