قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ذِكْرُ الرحمن

في عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي أصبحت الإمارات العربية المتحدة شريك الهند المفضل في الخليج العربي. فمنذ أن تقلد السلطة في 2014، تبادل البلدان أربع زيارات رفيعة المستوى، وزيارته الحالية إلى أبوظبي هي الزيارة رفيعة المستوى الخامسة، علماً بأنه مُنح خلال زيارته الرابعة للإمارات «وسام زايد»، الذي يُعد أرفع وسام مدني في دولة الإمارات العربية المتحدة. وفضلاً عن ذلك، عُقدت اجتماعات دورية بين وزراء ومسؤولين كبار من البلدين في نيودلهي وأبوظبي، من أجل مناقشة المواضيع ذات الاهتمام المشترك، وخاصة الاستثمارات في قطاع الطاقة، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن والدفاع، وتكنولوجيا الفضاء، ومحاربة الإرهاب.
هذا التعاون الوثيق بين البلدين المهمين في منطقتيهما، أتاح فهماً أكبر لبعضهما البعض كمجتمع متعدد الثقافات والأعراق والأديان وعضوين مهمين في المجتمع الدولي والإقليمي. وقد اتخذ هذا التعاون الوثيق بعداً استراتيجياً في يناير 2017، خلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى نيودلهي، والذي كان ضيف الهند الكبير خلال احتفالاتها بيوم الجمهورية. وكان البلدان وقعا اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» من أجل إعطاء زخم للعلاقات الثنائية المتينة. والمجال الذي حظي بأكبر قدر من الاهتمام في هذه الاتفاقية كان الاقتصاد، ولكنها ركزت أيضاً على تدفق الاستثمارات في الاتجاهين، والتعاون في مجال محاربة الإرهاب، والعلاقات في مجال الدفاع. ومنذ ذلك الوقت، يعمل الجانبان على تحقيق أهداف شراكة استراتيجية متينة عبر تبادل الزيارات بشكل دوري، وتحسين التجارة والاستثمارات الثنائية، إضافة إلى فهم أكبر لبواعث القلق الأمنية لكل جانب.

وإذا كانت الزيارات المتبادلة تؤكد الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين البلدين، فإنها تعكس أيضاً اهتمام القيادة الإماراتية الكبير وثقتها في السوق الهندية الناشئة. ومن جانبها، تدرك نيودلهي أيضاً النمو الاقتصادي النموذجي للإمارات العربية المتحدة ودورها المتزايد إقليمياً، ولهذا قدّمتها على عدد من البلدان في المنطقة. ويتعلق الجانب الأهم والأكثر شمولية من العلاقات بين البلدين بالعلاقات الاقتصادية والتجارية. فالإمارات ليست أكبر شريك تجاري للهند في الخليج العربي وغرب آسيا فحسب، وإنما هي أيضاً ثالث أكبر شريك تجاري لها في العالم. كما أنها ثاني أكبر وجهة تصديرية ورابع أكبر مصدر للواردات بالنسبة للهند. ومن جهة أخرى، تُعد الهند ثاني أكبر شريك تجاري، وثاني أكبر وجهة تصديرية، وأكبر وجهة للواردات بالنسبة للإمارات.
ومنذ 2015، حققت الهند والإمارات تقدما مهماً من حيث التعاون في مجال الطاقة. فالهند بلد متعطش للطاقة، ويعتمد على استيرادها لتلبية أكثر من 80 في المئة من احتياجاته في مجال الطاقة. وتشكّل بلدان الخليج العربي قرابة 60 في المئة من واردات الهند من الطاقة، وتُعد الإمارات واحداً من المصادر الأولى لواردات الطاقة. وفي 2017-2018، استوردت الهند ما قيمته 9.08 مليار دولا من النفط من الإمارات، وهو ما يمثّل 6.86 في المئة من إجمالي قيمة واردات الطاقة الهندية.
والواقع أن الطفرة الحالية في العلاقات بين الهند والإمارات العربية المتحدة تشتمل على عنصر طاقة مهم، حيث يقوم البلدان بتطوير علاقتهما الثنائية في مجال الطاقة إلى شراكة استراتيجية. وهذا يشمل تعزيز الاستثمارات ثنائية الاتجاه في قطاعات الطاقة في البلدين. وفي هذا الإطار، أبدت الهند استعداداً للاستثمار في قطاع التنقيب عن النفط واستخراجه في الإمارات، ما من شأنه أن يبدّد مخاوف السوق ويعزّز مكانة الإمارات في فضاء الطاقة العالمي. وفي الوقت نفسه، وافقت الإمارات على الاستثمار في مجال تكرير النفط وتوزيعه في الهند، وهو ما سيساعد الهند على دعم مخزوناتها النفطية الاستراتيجية ويساعد على توسيع منتجاتها البتروكيماوية والنفطية، والتي تساهم حالياً بنحو 20 في المئة من إجمالي الصادرات الهندية.
هذه الشراكة في مجال الطاقة بين البلدين تطورت الآن من شراكة عادية بين بائع ومشترٍ إلى شراكة أوسع وأشمل. وتُعد الإمارات العربية المتحدة أول بلد يزوّد منشأة احتياطي النفط الاستراتيجية الهندية في مانجلور بالنفط. كما تقوم شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» و«إينديان ستراتيجيك بيتروليوم ريزورفز ليميتد»، وهي شركة مملوكة للحكومة الهندية، بتنفيذ منشأة تخزين استراتيجية لخام النفط. وتهدف هذه الشراكة إلى تخزين خام النفط من أجل الاحتياجات الاستراتيجية، وتستطيع تخزين 5.86 مليون برميل من خام النفط الذي تنتجه «أدنوك» في منشآت تحت الأرض.
أما المجال الآخر الذي شهدت فيه العلاقات الهندية-الإماراتية تقدماً ملحوظاً، فهو التعاون في مجال الأمن والدفاع، ذلك أن كلاً من الهند والإمارات قلقتان بشأن التهديدات المتزايدة من الإرهاب والتطرف، وتتفقان على الحاجة إلى تعزيز التعاون من أجل منع انتشار الأفكار المتطرفة. وفضلاً عن ذلك، فإن الهند والإمارات «أعادتا التأكيد على تنديدهما بالجهود - بما في ذلك جهود الدول - الرامية إلى استخدام الدين لتبرير ودعم ورعاية الإرهاب ضد بلدان أخرى أو استخدام الإرهاب كوسيلة لسياسة الدولة».
ومنذ توقيع اتفاقية «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» قبل أكثر من عامين ونصف العام، حقّقت الهند والإمارات العربية المتحدة تقدماً نحو تحقيق الأهداف المرجوة من الاتفاقية، حيث تم توقيع عدد من اتفاقيات الاستثمار الواعدة، وخاصة في مجال الطاقة، كما أن التعاون في كل المجالات المتفق عليها في صعود. وعليه، فيمكن القول إن مستقبل العلاقات الهندية- الإماراتية مشرق، وإن أبوظبي ونيودلهي مدعوتان في المرحلة المقبلة لتطوير قاعدة أكبر وأقوى من أجل الحفاظ على مصالحهما الوطنية الجوهرية.
وختاماً، فإن تكريم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بمنحه «وسام زايد» هو تكريم للأمة الهندية برمتها، والشعب الهندي فخور بأن يجد في الإمارات العربية المتحدة بلداً صديقاً حقاً تحت قيادة رشيدة.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي