قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

   أمين ساعاتي

معروف عند الاقتصاديين أنه كلما تعرض الاقتصاد الأمريكي لأزمة من أزماته التي عودنا عليها، يبدأ الحديث عن الدولار الأمريكي كعملة رائدة، ثم يتسع الحديث ليشمل كل أوعية النظام الاقتصادي الدولي، ومن هذه الأوعية قاعدة الذهب، أو نظام الذهب الذي وضع العالم على كاهله ضبط موازين الاقتصاد العالمي.
ولذلك فإن المقصود بنظام الذهب أن تقوم الدولة بسك عملتها بالذهب "عملة معدنية بوزن محدد من الذهب" أو بأوراق نقدية قابلة للتحويل إلى ذهب، وذلك من خلال الغطاء الذهبي الكامل الذي يحتفظ به البنك المركزي في مقابل عمليات إصدار النقود الورقية.
بدأ العمل بنظام الذهب أو قاعدة الذهب في عام 1881 واستمر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى حينما فاجأت بريطانيا العظمى العالم بوقف العلاقة بين الاسترليني والذهب، وفي أجواء ما بعد الحرب العالمية الأولى تسابقت الدول إلى وقف العلاقة بين عملاتها والذهب، ولكن حينما انتهت الحرب العالمية الثانية حاولت بريطانيا العودة إلى نظام الذهب، إلا أن ظروف الاقتصاد البريطاني، وكذلك ظروف كل دول أوروبا الخارجة من أتون حربين عالميتين لم تكن مناسبة للعودة إلى نظام الذهب، حيث إن هذه الدول أفرغت كل ما في جعبتها من الذهب للصرف على تشغيل آلة الحرب.
وبعد الحرب العالمية الثانية دخلت دول أوروبا في منافسات حول خفض عملاتها لتصدير كمية أكبر من السلع والخدمات إلى الخارج، في مقابل استيراد أقل كمية من السلع والخدمات.

وإزاء ذلك تعرض النظام النقدي العالمي إلى اضطرابات شديدة اختلت معها موازين الاقتصاد الدولي، وكانت الولايات المتحدة هي الدولة التي غنمت الحرب وغنمت اقتصادها الذي قام بدور إنعاش الاقتصاد ليس في أوروبا وإنما في العالم كله.
وفي مهمة إنقاذ الاقتصاد العالمي دعت الولايات المتحدة دول العالم إلى اجتماع لمناقشة إنشاء منظمتين دوليتين ماليتين تعملان على قيام نظام مالي عالمي يتسم بالاستقرار، وتوكل إليهما وضع نظام نقدي ومالي يعيد الانتعاش والاستقرار إلى الاقتصاد الدولي، وبالإجماع صوتت الدول على إنشاء صندوق النقد الدولي وأسندت إليه مهام العمل على تحقيق الاستقرار النقدي العالمي، والرقابة على نظام المدفوعات الدولية، والعمل على إصلاح الخلل في موازين مدفوعات الدول، وتزويدها بالتسهيلات الائتمانية في صورة شرائح من حصتها في رأسمال الصندوق، ومتابعة الحفاظ على علاقة معدل الصرف بين عملات الدول والدولار الذي أصبح العملة الرائدة التي ترتبط بها كل عملات الدول الأخرى. كذلك صوتت الدول على إنشاء البنك الدولي، وأسندت إليه مهمة إعادة تعمير أوروبا، ولذلك سمي في ذلك الوقت باسم البنك الدولي للإنشاء والتعمير، ثم بعد انتهاء عملية إعادة تعمير أوروبا واليابان تم تطوير وظائفه إلى مساعدة الدول النامية، وبصفة خاصة القطاع الخاص في الدول النامية وحينذاك تم تغيير الاسم إلى البنك الدولي للتعمير والتنمية.
وبعد تأسيس المنظمتين الماليتين العالميتين تم إرساء قواعد نظام الاحتياطيات الذي دعم فكرة العودة مرة أخرى إلى نظام الذهب باعتباره نظاما كفيلا بالحفاظ على الاستقرار النقدي في كل دول العالم. ولكن العقبة التي واجهت العالم في ذلك الوقت أن الدول كانت تشكو من خلو خزائنها من الذهب، وكانت الدولة الوحيدة التي حافظت على كمية كبيرة ــ كما أشرنا ــ من الذهب هي الولايات المتحدة. وإزاء ذلك تم الخروج من هذا المأزق بالاتفاق على إنشاء ما كان يسمى قاعدة الصرف بالذهب أو الصرف بالدولار.
وفحوى نظام الذهب في هذه المرحلة أن تتبنى دول العالم الدولار الأمريكي كغطاء "بدلا من الذهب" لإصدار ما تحتاج إليه من عملاتها الوطنية، وفي مقابل ذلك تلتزم الولايات المتحدة بتحويل ما يقدم إليها من دولارات إلى ذهب "عند معدل صرف ثابت 35 دولارا للأوقية من الذهب" لكل من يطلب ذلك من دول العالم، ويشترط أن تقوم كل دولة من دول العالم بتحديد معدل صرف ثابت بين عملتها والدولار، كذلك تلتزم كل دولة بأن تحافظ على معدل صرف عملتها بالدولار في حدود 1.25 في المائة ارتفاعا أو انخفاضا فقط، أما ما يزيد على ذلك فيجب على الدولة أن تتشاور مع صندوق النقد الدولي في كيفية تعديل معدل الصرف بالنسبة للدولار.

والواقع أن الولايات المتحدة كانت في وضع تستطيع فيه إملاء شروطها على كل دول العالم، لأنها الدولة التي خرجت من الحرب منتصرة، ولأن خزائنها كانت مملوءة بالذهب، أما الدول الأخرى وبالذات دول أوروبا واليابان فقد خرجت من الحرب واقتصاداتها مهترئة ومتدهورة ولا تملك إلا تنفيذ كل ما تراه الولايات المتحدة التي أصبحت الدولة التي تقود العالم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ولكن بعد الخمسينيات ومع التطورات السياسية والاقتصادية التي حدثت في أوروبا واليابان استطاعت أوروبا أن تخرج من مشكلاتها وتتوصل إلى إنشاء الاتحاد الأوروبي الذي عالج كثيرا من مشكلات الاقتصاد الأوروبي الأمر الذي مكن أوروبا من الخروج على الدولار. وكذلك خرجت اليابان من هزيمتها في الحرب وغسلت جسدها من القنابل الذرية التي رمتها أمريكا على ناجازاكي وهيروشيما، وأصبح اقتصادها من أقوى الاقتصادات في العالم. واليوم تتقدم الصين وتضع رأسها مع أمريكا وتتوعد الأمريكان بأنها ستكون رأس الحربة في اقتصاد العالم في النصف الثاني من القرن الـ21.