قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله بن بخيت

الاحتفالات الدينية الصاخبة التي تتعدى المعقول ونطاق العقل تعطيك صورة جلية لما يدور في داخل النفس البشرية، فالإنسان ليس بالضرورة إنساناً عاقلاً على الدوام، في لحظة من اللحظات يتنازل عن التفكير السوي وقد يطول هذا التنازل ليصل إلى العمر كله، فينحصر دور التفكير السوي عند هؤلاء في الشؤون اليومية، تدبير المعاش والدفاع عن النفس والحفاظ على الجسد، يعيش كل يوم بيومه، يسأل بعضنا لماذا يصل الإنسان إلى هذا التدني في مستوى الاستخدام للعقل، الإنسان السوي لن يعذب نفسه والله تعالى لم يأمر بذلك مطلقاً، لا يوجد دافع لأعذب نفسي دون أن أحرز شيئاً ينفعني وينفع أسرتي وينفع وطني إلخ خصوصاً عندما أعرف أن ما أفعله بنفسي من تعذيب لم ينصص عليه الكتاب الذي أؤمن به ولا يوجد فيه إشارة الذي ذلك يمكن تأويلها.

أميل دائماً إلى القول إن المصالح هي سيدة الأشياء كلها. فتش عمن له مصلحة في إقامة مثل هذه الاحتفالات، حدد حجم الميزانية التي تصرف عليها، ثمة طرفان في هذه الحفلات واحد يقودها وآخر ينفذها، في الاحتفالات الدنيوية ستلاحظ أن الطرفين مستفيدان. ففي مباراة كرة القدم مثلاً سترى أن اللاعبين والمنظمين مستفيدون على حد سواء. في هذه الاحتفالات الدينية اللاعب خسران مئة بالمئة والمنظم ربحان مئة بالمئة، حقوق اللاعب مؤجلة الدفع سيتقاضاها في دنيا ثانية حسب تأكيدات المنظم، المشكلة العويصة في هذا الأمر أن اللاعب كفرد يعرف أن المنظم يضحك عليه، عندما تسأله عن الشيخ الفلاني أو الشيخ الفلاني سيكيل لهم الاتهامات، لكنه في لحظة الهيجان الجماعي وبعد التحضيرات الطويلة المليئة بالخطب والصراخ والاجتماعات والأدعية يغيب عن الوعي، يعود إلى الخوف الذي زرعه هؤلاء الشيوخ في داخله.

في بعض الأحيان أفكر أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، ربما يكون خوفه دنيوياً يتسم بالاستعراض، لعله إنسان بلا قيمة اجتماعية بلا مواهب. تذكرني هذه الاحتفالات بما كنا نسميه زيران، ثمة طائفة تؤدي رقصات وحركات بعضها ممتع وبعضها خطر وبعضها يوحي بغيبيات زائفة، عندما نتأمل فيمن يقوم بهذا الدور نجد أنهم من الطبقة البسيطة والمهمشة، ينتظرون هذه الاحتفالات لكي يعبروا عن إحساسهم بالتهميش، ليجلبوا الأنظار لهم لكي يكون لهم دور يعترف به المجتمع، هذا في ظني أقرب تفسير لهؤلاء الذي يعذبون أنفسهم في هذه الاحتفالات الدينية، إذا لاحظت أن عملية التعذيب تتطور، تطورها هذا يعود إلى المنافسة، عندما تلاحظ أن عمليات تعذيب الذات لم تتقعد، لم تأخذ نمطاً معيناً محدداً. مفتوحة للإبداع. هذا يدل أنها مرتبطة بهذا المهمش يطورها بنفسه، بمقدار إحساسه بالتهميش.

القضية في ظني ليست قضية دينية ولكنها قضية اجتماعية اقتصادية تفترش الدين وتلتحف بالتاريخ المؤسطر.