قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

& عبدالله بشارة

في بداية شهر يونيو 1961، قدمت الكويت، المستقلة حديثاً، شكوى ضد العراق الذي كان يهدد بضمها بالقوة، وقدم العراق مع نزول القوات البريطانية للدفاع عن الكويت، شكوى ضد بريطانيا بتهديد استقلال العراق، وظلت الشكوى منذ ذلك اليوم على جدول أعمال مجلس الأمن، وعندما ذهبت إلى الأمم المتحدة في عام 1971، قرأت المحاضر التي تتعلق بالكويت وشكواها كما قرأت تفاصيل الاتهامات العراقية ضد بريطانيا، ونظراً لأهمية تلك الوثائق في تاريخ الكويت، وضعت كتاباً خاصاً بمحتوى جميع اسقاطات ادعاءات عبدالكريم قاسم، رئيس الوزراء آنذاك بالكويت، بما فيها ما دار حول عضوية الكويت في الجامعة العربية، وصدر الكتاب باسم «حروب الكويت الدبلوماسية»، كما جدد مركز البحوث والدراسات الكويتية طباعة ذلك الكتاب لتسهيل وصوله للمواطن، لأن قراءته ضرورية لكل كويتي ليعرف المتاعب التي تحملتها الكويت في انضمامها إلى المنظمتين الجامعة العربية، والأمم المتحدة.

ومما يلفت النظر أن القضايا التي تدخل مجلس الأمن لا تخرج منه أبداً، ونجد من القضايا المستمرة على جدول الأعمال شكوى لبنان ضد الجمهورية العربية المتحدة 1958، وشكوى السودان ضد مصر، وشكاوى متنوعة من اليمن وسوريا والجزائر والمغرب، فهذه رسائل ترسل لكي توزع كوثائق صادرة من مجلس الأمن. كما أن ملف الكويت والعراق يحتوي على قرارات أكثر من ثلاثين قرارا اتخذها مجلس الأمن في أعقاب الغزو، بما فيها القرار الحاسم 833 المرسم للحدود بين البلدين وبتأكيد الموافقة من جميع الأطراف السيادية العراقية، مجلس الوزراء، ومجلس قيادة الثورة، والحزب، بقصد قطع الطريق على الادعاءات برفض طرف أو تأخر هيئة سيادية، في ضوء الممارسات السابقة للحكومات العراقية منذ عبدالسلام عارف الذي رفض المصادقة على ترسيم الحدود وطلب اعداد فرقة يقودها لضم الكويت بالقوة. هذا الفكر المتعثر انتهى مع الغزو الذي أوضح بشكل قوي بأن قيادات العراق منذ الاطاحة بالشرعية التاريخية الهاشمية ليست جديرة بحكم العراق، وأن العراق يستغيث بحثاً عن العقلاء العارفين بقواعد العمل السياسي والمتداخلين مع مسار قواعد العمل في الدبلوماسية العالمية. لا يوجد في الأمم المتحدة تحفظ على تبادل الرسائل عبر مجلس الأمن، لكن من تقاليد الممارسة الدبلوماسية أن ترسل الدولة ملاحظاتها حول الحدود إلى الدولة المعنية مباشرة عبر نهج تبادل المذكرات ثنائياً من أجل التفاهم، خاصة أن العلاقات بين البلدين تتميز بالانفتاح والاصرار على التطوير والرغبة في تبادلية المنافع في جميع المسارات. كان الرد الذي خرج من الوفد الكويتي في الأمم المتحدة منطقياً ومؤدباً وفيه الحرفية التي تستند إلى الحقائق مع الالتزام بضوابط الاحترام والأصول في الخطابات عبر مجلس الأمن وخلاصتها أن المياه الاقليمية الكويتية جرى تحديدها بموجب المرسوم الصادر بتاريخ 17 ديسمبر 1967 بشأن تحديد عرض البحر الاقليمي للكويت، والذي جرى تحديثه في المرسوم رقم 317 الصادر بتاريخ 29 أكتوبر 2014، بشأن تحديد المناطق البحرية للكويت، وفقاً لما نصت عليه المادة 15 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والمودع لدى الأمم المتحدة.

والمهم في هذه الرسالة عرض الكويت اللجوء إلى المحكمة الدولية لقانون البحار المنشأ بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982. وأعتقد أن اللجوء إلى المحكمة الدولية هو الخيار المريح للطرفين لأن العراق في وضعه السياسي الداخلي ووسط تبادلية النقد وغياب الثقة بين الأطراف داخل مكوناته السياسية ليس في وضع يتيح له اتخاذ القرار حول الموضوع، وإنما يفضل التأجيل الذي يريح صاحب القرار من أذى التجمعات السياسية المتعارضة، ولا أعتقد أن الآفاق السياسية في العراق ستتمكن من تشكيل حكومة مركزية عراقية قادرة على التصرف وفق مصالح العراق دون أن تتسلل إلى قراراتها الاعتبارات المحلية المتصارعة في الاجتهادات والمتباينة في منظورها لآليات اتخاذ القرار ودون التحكيم ستتواصل الاعتراضات في سيناريو شبيه بما كان يدور خلال الثمانينيات من القرن الماضي. ولعله من المناسب التذكير بأن وضع الكويت العالمي وخريطة سلامتها تبدلت تماماً، فالسيادة مضمونة بتعهدات مجلس الأمن بما فيها الحدود التي رسمت وأكدها قرار المجلس رقم 833، وصار أمنها واستقرارها من ضمن شروط استتباب السلام ليس في هذه المنطقة وإنما يتعداها إلى الفضاء الدولي، ولا يبقى سوى التفاهم وفق شروط الحوار البناء، المتفاهم والمتميز بحسن النوايا والناشد للتنمية والتطور.

ولعلنا نلاحظ التبدلات الجماعية التي تشغل العالم الآن في رفضها الأحكام والاستبداد واعتراضها على دبلوماسية الابتزاز وجنوحها نحو الحكم المدني الذي يستند إلى شرعية شعبية في إطار دستور جامع، يشكل التوافق بين أبناء المجتمع. كانت مشكلة الأنظمة العسكرية والأيديولوجية في العالم العربي عجزها عن التفاهم مع دول الجوار، سواء عربية أو غيرها، وبحثها عن مغامرات تشغل شعبها عن المطالب بالحريات وبالانفتاح والتنمية، كانت سوريا تؤذي لبنان وأحياناً الأردن، ولم يقصر النظام المصري الثوري في سخريته من الأنظمة الرجعية – كما يقولون- وأبدع القذافي في فنون الشيطنة الجاهلة، في إزعاج الغير.. والسبب أن أنظمتها فشلت في بناء مؤسسات سياسية تدعمها الموافقة الشعبية وإنما استندت إلى التعتيم والمخابرات والتنكيل، والمغامرات الخارجية المدمرة. من الملاحظ أن رسالة العراق إلى مجلس الأمن تتناول المنطقة البحرية ما بعد النقطة 162، ويعني ذلك البحر الاقليمي الذي ما زال غير مرسم بين البلدين، وأن الموضوع لا علاقة له بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، وعلى الأخص القرار 833 الذي رسم الحدود البرية والبحرية بين البلدين، فالعراق ملتزم بالقرار 833، وإنما رسالة العراق موضوع ثنائي خاص لا علاقة له بالالتزامات الدولية على العراق.

ورسالة الكويت إلى مجلس الأمن هي تجديد الدعوة إلى العراق للاجتماع مع المسؤولين في الكويت لبحث الرد معها، لأن بقاءه معلقاً يشكل تعثراً في التنمية الشاملة للعلاقات بين البلدين، وإذا كانت الوقائع الداخلية في العراق لا تمكن الحكومة العراقية من الانتهاء من هذه المسألة، فلا بد من التحكيم كما أشارت رسالة الكويت، لأن هذا الاجراء يضع حداً للجدل ويمكن الطرفين من تجاوز كل المسببات التي أضرت النمو التام في علاقاتهما.. وتبقى ضرورة التذكير بأن الثقة الصافية بين العراق والكويت، بكل أبعادها الرسمية والشعبية والحزبية والعرقية، هي المكون الجوهري للعلاقات بين البلدين، فمن دونها مهما كانت ألوان الأصباغ التي تزين فترينات الاشادة والاعجاب، لن تتحرك العلاقات إلى العمق الواسع في جسدي الطرفين، وستدور في دائرة زيارات وتبادل الرسائل وتواصل الاشادات. ومن هنا فالسعي في الوصول إلى تلك الثقة يبدأ من العراق ويشدد على تحقيقه ويعمل باقناع الكويتيين بأن الغزو جاء من ذهنية مهتزة مريضة ومرفوضة ولا مفر من توفير صدق النية لمسح آثارها، وعندها سيجد العراق التشوق الكويتي للمشاركة في عراق مستقل نظيف وديموقراطي، مستقل في قراراته الوطنية، وليس العراق الذي دمرته مغامرات الصعاليك السياسية..

&