قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

علي الخشيبان

وسائل التواصل الاجتماعي كلها تعتمد تقريباً على النشر المباشر؛ وهذا ما يجعلها تكسب الكثير من الجماهير، وأمام هذه السمة بقيت مؤسسات الإعلام تقدم برامجها التقليدية دون تغيير في محاولة تدل على أنها لم تقتنع بعد أنها دخلت القرن الحادي والعشرين..

الإعلام في العالم كله يعاني من أزمة الدخول إلى الألفية الثالثة وفق قيم مجلوبة من الماضي، وهذا ما خلق الإرباك الكبير على مستوى الصحف والإذاعات والتلفزيون وغيرها من وسائل الإعلام التقليدية، وفي الحقيقة أنه لابد من المعرفة أن الإعلام فعلياً هو جزء من الأدوات السياسية الماهرة التي تستطيع أن تعيد تشكيل المجتمعات عبر رسائلها الموجهة إلى الإنسان وثقافته، حيث يمكن تغيير الأفكار والمعتقدات والأدوات الثقافية المتحكمة بآلية قبول المجتمع لما ينشره الإعلام وما يقوله.

السؤال الأهم اليوم يقول: ما أكثر الأدوات اليوم تدميراً لرسالة الإعلام؟ وهنا لابد أن نعرف أن الإعلام دائماً وأبداً يجب أن يكون في خدمة المجتمع وبدرجة مطلقة لا تقبل التراجع؟ وهذه الفكرة هي إحدى الأدوات التي يمكنها أن تدمر المجتمع عند استخدامها بطريقة خاطئة، فعلى سبيل المثال إذا اعتاد الإعلام على الإفراط في استخدام وسائل التحسين اللفظية وعبارات التضخيم الإعلامي فإن هذه الطريقة تشبه كثيراً الإفراط في تناول الأكل بالنسبة للبشر، حيث يمكن أن يصاب بالكثير من الأمراض المزمنة والقاتلة.

ثانياً: الإعلام اليوم وخاصة في مجتمعاتنا يعاني من أزمة ثقافية تتمثل في محاولاته الدائمة بأن يمسك العصا من الوسط، وهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً أن يستمر، حتى لو بقي لعقدين أو ثلاثة من هذا القرن، ولعل السبب الفعلي في عدم قدرة الإعلام على المقاومة يكمن في انتقال المهمة الإعلامية من المؤسسات الحكومية إلى الأفراد مباشرة، وأصبح الفرد منافساً شرساً لمؤسسات الإعلام.

ثالثاً: عندما يحاول الإعلام التقليدي أن يبقي نفسه في ذات النهج القديم، ويبحث عمن يقدمون الإعلام بأسلوب قديم فإنه سوف يسمح لنفسه أن يكون مسرحاً "للمتردية والنطيحة"، والسبب في ذلك أن مواكبة التحول تحتاج إلى أساليب جديدة، وهذا ما يجعل الكثير من المشاركين في كثير من مؤسسات الإعلام في العالم العربي اليوم يتميزون بقدرات كبيرة ترفع من مستوى المبالغة في الموضوعات التي يتحدثون عنها. ولعل أكبر سمة ميزت الإعلام التقليدي خلال السنوات الماضية أنه دخل في أزمة المقارنة مع ما يطرح في وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح مقيداً لا يمكنه التطور ولا يمكنه إيقاف تطور وسائل التواصل الاجتماعي.

رابعاً: وسائل التواصل الاجتماعي كلها تعتمد تقريباً على النشر المباشر، وهذا ما يجعلها تكسب الكثير من الجماهير، وأمام هذه السمة لوسائل التواصل الاجتماعي بقيت مؤسسات الإعلام تقدم برامجها التقليدية دون تغيير في محاولة تدل على أن وسائل الإعلام من وزارات وهيئات لم تقتنع بعد أنها دخلت القرن الحادي والعشرين مع العالم.

خامساً: ليس اللوم كله على الإعلام التقليدي، فوسائل التواصل الاجتماعي أيضاً اُستخدمت من قبل الإعلام التقليدي بطرق تبدو أغلبها خاطئة، ولعل ما يثير الأزمة أكثر أن الهجوم والمبالغة في الإساءة على جميع المستويات دخلا عالم وسائل التواصل الاجتماعي تحت حماية في بعض الأحيان من الإعلام التقليدي، وتسببا في خفض مستوى الأخلاق في الخطابات السياسية والاجتماعية لكثير من الدول، وصارت المنافسة بعيدة عن الرسالة الإعلامية، وانحدرت إلى ملاسنة أقل ما يقال عنها إنها بلا قواعد.

الفكرة التي يمكن أن نحصل عليها اليوم حول الإعلام تدور حول كمية التعقيدات التي وجدت مع الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، أعتقد أن مؤسسات الإعلام في مجتمعاتنا عليها أن تخفض من دورها، ويمكنها أن تذوب في مؤسسات إعلامية أكثر كفاءة، لا أعتقد أن العالم العربي تحديداً سيتمكن من تعيين وزراء للإعلام خلال السنوات القليلة القادمة، ومن المؤكد أن ورقة الإعلام الفعلية لن تمكن المؤسسات التقليدية من إدارتها بشكل ناجح.

نحن في منطقتنا الخليجية تحديداً مررنا بأزمات أثبتت أن الكثير من المسارات الإعلامية المستخدمة في معالجة هذه الأزمات لم تخرج عن مسارين اثنين؛ الأول: الاعتماد على كم المبالغة اللفظية والحديث عن الدول والمجتمعات بشكل مفرط وبلا قيود، وكأن زمام الأمور مربوط بوسائل التواصل لتقرر قيام أزمة أو تدمير دولة.

ثانياً: الانهماك في التصارع اللفظي ساهم في ضعف المحتوى الإعلامي، وصارت القدرة التلاسنية هي الميزة الوحيدة المرغوبة بشكل أكبر للطرح عبر وسائل التواصل، وصارت الجيوش الإعلامية في وسائل التواصل الاجتماعي تنافس الجيوش النظامية، ولكن في النهاية يجب أن ندرك أن أكثر وسائل تدمير الإعلام تأتي من المبالغة في رسم تصورات خاطئة وغير دقيقة عن الواقع المراد التعليق عليه أو وصفه.