قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد خليفة

تصارع دول أوروبا اليوم عدة متغيرات مصيرية؛ ليس فقط على سبيل تفكك هذه الدول، أو انحسار هيمنة بعضها على بعض، أو سقوط إيديولوجيات، أو هزيمة الليبرالية أمام التطورية، أو التحول عن التعايش إلى الصراع، بل إنه كل ذلك. وأعمق من ذلك الإعلان عن سقوط القومية الأوروبية، فلسفة وتاريخاً، أضف إلى ذلك انغلاقية القومية الأوروبية التي بلغت أشدها في هذه المرحلة، وأصبحت في هذا العصر تتعارض التعارض الكلي المتجلي في نزوع الأمم إلى إقامة ولايات عالمية متحدة، فمشاكل أوروبا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لم يعد بالإمكان حلها.

وليس صدفة أن يعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن حلف شمال الأطلسي في حالة «موت سريري»؛ فهذا الحلف الدفاعي الذي ارتبط بمرحلة الحرب الباردة، والصراع مع المعسكر الشيوعي، أصبح بعد مرور نحو ثلاثين سنة على انتهاء تلك الحرب بسقوط الاتحاد السوفييتي، يتساءل عن مصيره بعد زوال التهديد الأكبر الذي كان يتربص بأوروبا، ورغم أن الحلف استقطب الكثير من دول أوروبا الشرقية إليه فأصبح يضم 29 دولة، بعد أن كان يضم عند تأسيسه في إبريل 1949 «12» دولة فقط، إلا أنه فقد محفزات الاستمرار في وجوده، وهناك جملة من المتغيرات أدت بالحلف إلى ما هو عليه الآن، وأهم تلك المتغيرات هي الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالولايات المتحدة منذ أعوام، ولا زالت تتعاظم مخاطرها إلى الآن خاصة بعد أن بلغ الدين العام الأمريكي 24 تريليون دولار، وهو في حالة تزايد مستمرة، وكذلك ظهور قوى عالمية جديدة، سياسية واقتصادية، باتت تعلن بقوة عن وجودها، وعلى رأس هذه القوى الصين التي بات إنتاجها الصناعي يقارب مجمل إنتاج دول الغرب، وكذلك روسيا التي ترفع الصوت عالياً في وجه الهيمنة الغربية على العالم. وقد حاول حلف شمال الأطلسي أن يطوّر استراتيجيته لمواجهة مشكلات العصر، فابتكر فكرة التدخل الإنساني بزعم مساعدة الشعوب على نيل حريتها ضد «قوى الطغيان»، فتدخل في حرب تمزيق يوغسلافيا، كما تدخل ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان، وخلال حرب العراق، شكلت منظمة حلف شمال الأطلسي بعثة تدريب إلى العراق. وتدخل الحلف في ليبيا وغيرها من الدول.

لكن الرياح الدولية لم تجرِ وفق شهوات قادة الحلف، فقد انفجرت الأزمة الأوكرانية ربيع عام 2014، وتدخلت روسيا وفصلت شبه جزيرة القرم عن أوكرانيا، وتقدمت بولندا عضو حلف شمال الأطلسي بطلب لهذا الحلف لمساعدة أوكرانيا عسكرياً، لكن الحلف أحجم عن التدخل خوفاً من اندلاع مواجهة مع روسيا، وأدت تطورات الأزمة السورية إلى حصول تضارب بين استراتيجية حلف الأطلسي واستراتيجية تركيا العضو في هذا الحلف.
ورغم أن هذه التحديات التي واجهها الحلف ليست بالقليلة، لكن التحدي الجوهري أمامه يتمثل في عملية التمويل، فعند إعلان قيام حلف شمال الأطلسي، كانت الولايات المتحدة تتولى الدفاع عن غرب أوروبا، مقابل التبعية والولاء، وبالتالي كانت تدفع معظم التكاليف المالية المخصصة لهذا الحلف؛ بما فيها تكاليف العتاد والمقرات والخدمات والضباط والجنود. ومع توسع الحلف وزيادة أعضائه، سعت الولايات المتحدة إلى تقليل مدفوعاتها له مقابل زيادة مدفوعات الأعضاء الآخرين، وهذا ما عبّر عنه الرئيس دونالد ترامب في أكثر من خطاب مند ترشحه للانتخابات الأمريكية، وحتى بعد انتخابه . ومن الناحية النظرية، تنص معاهدة الحلف في بعض بنودها، على دفاع الدول الأعضاء عن بعضها، إلا أن المؤتمرات التي عقدتها خلايا التفكير مازالت تواصل مناقشة الجدل القائم حول «الدور الذي يضطلع به الناتو» في ظل الأوضاع الراهنة، بعد ما أصبح عليه الحلف في حالة موت سريري ينتظر إعلان ساعة الدفن.

وهكذا نرى الرئيس الفرنسي ماكرون يتفق مع قول هيغل أن الأفراد هم أدوات فقط وليسوا بسادة السيرورة التاريخية، وأن التاريخ يكشف عن تقدم الروح نحو تحقيق كمالها، خلال مسار التاريخ بخاصة نشوء القوى العظمى وسقوطها، واعتبار الاقتصاد هو المرتكز الرئيسي، لا بل والوحيد للقوة العسكرية القوية، لقيام القوة العظمى.