قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

رؤوف قبيسي

رسالتي هذه إليك هي الثانية يا سيد حسن، وآمل أن تكون الأخيرة! الأولى كانت قبل خمس سنوات، ونشرت في هذه الصحيفة الكريمة تحت عنوان " دولة الله هي الدولة المدنية العلمانية". ما أملى عليً تلك الرسالة في حينه، كان تجربتي في أوروبا المدنية التي امضيت فيها الشطر الأكبر من حياتي. في بلاد تلك القارة، حيث لا تقرع أجراس الكنائس، وتعلو أصوات المؤذنين إلى الدرجة التي تعلو فيها في بلادنا، وجدت "الله". هناك حيث القانون يعلو ولا يعلى عليه، وحيث لا "بيك" ولا "شيخ" ولا "حكيم" ولا "أستاذ"، يتحكمون بالبلد. حتى في الولايات المتحدة، أو "الشيطان الأكبر"، كما يسميها مناصروك وأتباعك، والمنضوون تحت راية حزبك، رأيت "الله"، أكثر مما رأيته في لبنان وبلاد العرب و"المسلمين". رأيته مجسداً في شرائع العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وها هو رئيس أميركا الذي لا تروقك سياسته، على وشك أن يُحكم عليه ويُعزل، لمجرد أنه أجرى مكالمة مع رئيس دولة أجنبية، اعتبرت مخالفة للقوانين، فيما الزعماء في لبنان، ما زالوا يحتكرون السلطة بأقذر الوسائل المهينة لحقوق البشر، ومنهم من لطخت الحروب يديه بدماء الناس، ومنهم من ورث الزعامة عن أبيه.

منذ سنين وأنت تتهم الغرب يا سيد حسن، باستخدام المعايير المزدوجة في السياسة الدولية. عندك الحق كل الحق في هذا الإتهام، ولا أحد يجادلك فيه، خصوصا إذا كانت المسألة، موقف أميركا من قضية فلسطين، وحقوق عرب فلسطين في أرضهم التاريخية، لكن اعذرني إذا قلت لك يا سيد حسن إن "حزب الله" ما انفك يعتمد هذه المعايير المزدوجة ذاتها، في تعاطيه مع نظام طائفي إقطاعي عنصري، هو ضد "الله" وضد الإنسان! قلت في البداءة، إن مشاهداتي في الغرب، وما لمست في دوله المدنية من الحرية والعدالة وحقوق المواطن، أملت عليً تلك الرسالة الأولى إليك، أما الذي يملي عليً رسالتي الثانية هذه إليك، فهو مواقفك الاخيرة من الثورة الوطنية الوحيدة في تاريخ لبنان، وأرجو المعذرة إذا قلت لك يا سيد حسن، إن مواقفك المساندة للعهد، لم ترض الغالبية من اللبنانيين.

في خطابك في "يوم الشهيد"، خرجت بنظرات اقتصادية في مسألة أنت تعرف أكثر من غيرك، أنها مشكلة سياسية في الصميم. وضعت اللوم على الولايات المتحدة، لأنها، كما ذكرت في خطابك، تفرض عقوبات على المصارف اللبنانية، ولا تسمح للبنان بأن يستقدم شركات صينية، أو إيرانية، للعمل في أراضيه! هل هذا هو سبب أزمة لبنان الاقتصادية فعلاً يا سيد حسن، أم هو فساد هذه الطبقة الحاكمة التي لا تزال تحكم البلد بأساليب القرون الوسطى؟! قلت غير مرة، إنك ستحارب الفساد، لكن كلامك عنه بقي ضمن إطار هذا النظام القائم كله على الفساد، نظام صار متصدعاً إلى حد لم يعد بالإمكان إصلاحه،

قائم على استغلال الدين والنفاق والمعايير المزدوجة، ولا يمكن تغييره إلا بحركة شعبية عارمة، كالتي تشهدها الساحات والميادين هذه الأيام.

لا فائدة تُرتجى بعد من إصلاح بيت من الداخل وطلاء جدرانه بأجمل الألوان، ورصف أرضه بأجمل البلاط، إذا كان أساسه مصدعاً، وها أنت يا سيد حسن، تدافع عن نظام أساسه مصدع، وعن عهد ما عاد الشعب يرتضيه. أقطع بأنك فوجئت بهذه الثورة التي امتد حراكها في كل ناحية من لبنان، امتداد النار في الهشيم، وأقطع بأن القيمين على النظام، ومعظم المحللين، ومن هم فوق الأربعين أو الخمسين من العمر، قد فوجئوا بها أيضاً. السبب أن الذين أوقدوا جذوة هذا الحراك هم طلبة المعاهد والجامعات من شباب لبنان وصباياه. هؤلاء هم وجع العمر، وهيهات لنا أن نفهم أصواتهم حق الفهم، لأنهم من عالم غير عالمنا. في فصل "الآباء والبنون" من كتاب "النبي" لجبران، يقول المصطفى لسامعيه:" أولادكم ليسوا أولاداً لكم، هم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها. يعيشون معكم، لكنهم ليسوا ملكاً لكم.لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور افكاركم، لأن لهم أفكارهم الخاصة. بقدرتكم أن تصنعوا مساكن لأجسادهم، لكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم، بل في مسكن الغد، الذي ليس بمقدوركم أن تزوروه حتى في أحلامكم. عبثاً تحاولون أن تجعلوهم مثلكم، لأن الحياة لا تعود القهقرى، ولا تستطيب الإقامة في منازل الأمس".

هل أنعمت النظر يا سيد حسن في مطالب هذا الجيل المطالب بتغيير هذا النظام، قبل أن تساند العهد، ورموزه؟ رموز كلهم من غير استثاء، هم صهاينة الداخل يا سيد حسن، الذين على لبنان أن يلتفت إليهم، قبل أن يلتفت إلى صهاينة الخارج. هؤلاء خطرعلينا، لأنهم يعيشون بين ظهرانينا، فيما صهاينة الخارج هم وراء الحدود! منذ ولد "حزب الله"، وصهاينة الداخل يستغلون وجوده ليسرقوا الخزائن وينهبوها، تحت ذريعة أن سلاح هذا الحزب، يحول بينهم وبين بناء دولة القانون، لكن المواطن العاقل الحرغير المتحزب، يعرف، وأنت تعرف أكثر من غيرك يا سيد حسن، أن من رفعوا هذه الشعارات، ومعظمهم من جماعات 14 آذار، هم أول الرافضين لدولة القانون هذه، لأنهم يعرفون أنها متى قامت، ستلغي امتيازاتهم، الطائفية، التي هي ضد شرائع السماء، وضد "الله" الذي جعلت من جلالة اسمه، اسماً لحزبك.

في خطابك ذاك تحدثت أيضا عن الأمن في لبنان، وقلت إنه أمن لا مثيل له في واشنطن، ولا في أي ولاية أميركية، ودللت على ذلك بمعدلات الجريمة في أميركا قياساً إلى معدلاتها في لبنان. اسمح لي يا سيد حسن بأن أخالفك الرأي في مسالة الأمن هذا، وأقول لك إنه أمن هش، لا يضاهيه في الهشاشة أمن آخر، حتى في أكثر الدول المتخلفة في العالم. هو أمن يمكن "حزب الله" أن يخرقه في أي لحظة، ويخرقه أي خطاب شعبوي طائفي، يلقيه أحد زعماء الطوائف، خصوصا إذا رافقته رصاصة من هنا، ورصاصة من هناك! اسمح لي كذلك بأن أستخدم قاعدة المقارنة ذاتها التي استخدمت، وأقول لك إن لا أحد في أميركا، يمكنه أن يخرق الأمن في شارع صغير في واشنطن، ولو اجتمع العالم كله على أميركا، لن يكون بمقدرو أحد أن يهز الأمن في أصغر ولاية أميركية، لأن ليس في بلاد "الشيطان الأكبر" زعماء طوائف، يمكن أي واحد منهم العبث بأمنها، كما الحال عندنا في لبنان المتسلحة أحزابه بالطائفية.

شي آخر أود أن أقوله لك يا سيد حسن، واقوله لك من قلب محب لك ولرجال حزب الله، "الطاهرين الشرفاء" كما تسميهم، أنني واحد من مئات الألوف من المواطنين في الوطن والمهاجر، الذي يتمنون عليك عدم التدخل في شؤون السياسة المحلية ودهاليزها، هذه التي تفسد الضمائر، وتتلوث بأوضارها كل الوجوه، بما فيها وجوه السادة والقديسين! كنا نتمنى لو أنك نأيت بنفسك عن الوقوف إلى جانب عهد

أثبتت الساحات الميادين أن الغالبية من الشعب ترفضه، بغض النظر عن رأيك فيه، وبغض النظرعن المواثيق والعهود التي قطعتها مع سيد هذا العهد، لأن الوطن أهم من أي مواطن أو رئيس، كما الوصية الحق أغلى من الإمام، والرسالة الحق اغلى من الرسول. كلنا ذاهبون، والرسل والأيمة يذهبون، أما الوصايا الحق، والرسالات الحق فتبقى، ما بقيت الأرض ومن عليها. "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي"، هذا الذي جاء في القرآن، وأما في الأناجيل فكلمة "المسيح": "السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول".

يوم خرج الإسرائيليون من الجنوب قبل نحو عشرين عاماً، سطع نجمك في كل مكان من لبنان وبلاد العرب، وارتفعت صورك في سوريا والعراق، وفي مصر وتونس، وفي كل بلد عربي. رأيتها بأم العين في المدن والقرى النائية في المغرب وفي الجزائر، مزينة بتلك العبارة الأثيرة "هيهات منا الذلة". أسألك الآن يا سيد، وأسأل نفسي السؤال الحارق: ما الذي حدث حتى توارى نجم "حزب الله"، وتراجعت شعبيته، وصار بعض الكارهين يطلقون عليه اسم "حزب الشيطان"؟ّ! سؤال أعرف جوابه، أو أظن أني أعرف جوابه، لكن الرد عليه يبقى في عهدتك يا سيد حسن، وعهدة القيمين على الحزب، وقد تكون معرفة أسبابه، مدعاة للحزب إلى اللجوء إلى عملية نقد ذاتي، وإعادة التفكير في النهج والخطاب!

إذا أردت يا سيد حسن أن تربح معركة العقول والقلوب في لبنان وفي كل مكان، فأرجو أن تنأى بحزبك عن التدخل في الشؤون المحلية، لأن هذا التدخل يضير الحزب ولا يفيده في شيء، وإذا كان لا بد من التدخل، فليكن موقفكم على الحياد، أو مسانداً للمطالب الشعبية، بالكلام وإسداء النصح، لابالسلاح طبعاً. أسمح لنفسي هنا بأن أوجز لك هذه المطالب، وأقولها لك من غير وجل أوخجل:

أولاً: اسحب نوابك من المجلس النيابي لأن لا فائدة منه ترتجى. هو نظام جائر، ومتخلف وخارج العصر. النواب فيه يمثلون طوائف ولا يمثلون الوطن، ووجود ممثلين عن "حزب الله" فيه، يعني أن الحزب يشارك في نظام قائم على استغلال الأديان. أما القول بأن الشعب انتخب هؤلاء النواب فحجة لا تستقيم، لأن الشعب أُرغم على انتخابهم على هذه الأسس الطائفية، ولم يكن لديه خيار آخر غيرها، كصائم ليس أمامه ليفطر غير طبق من العدس، ولا شيء غير العدس!

ثانيا: لا تصغ يا سيد، للقائلين إن وجود حزب الله في المجلس، وفي الحكومة يضفي عليه شرعية سياسية هو في أمس الحاجة إليها للدفاع عن نفسه، وعن سياسته المحلية والعربية والدولية. هذا ضرب من العبث والجنون، لأن مشاركة الحزب في نظام طائفي فاسد كهذا النظام، يشوه صورته، ويُحمِله تبعات هو في غنى عنها.

ثالثاً: ليكن سلاح الحزب، سلاح المقاتلين من أجل الحرية والإنسان، وأمثولة لكل المقاتلين من أجل الحرية في العالم، ولكل بلد منكوب بحكامه، وليكن استخدام هذا السلاح في لبنان وقفاً على الحدود، لا في الداخل، وليكن قرار استخدامه، شراكة بين الحزب وبين حكومة لبنان الجديدة، أو مجلس نواب لبنان الجديد.

رابعاً: ليدعو الحزب إلى دولة مدنية ولا يخشاها، لأنها دولة الله الفعلية على الأرض. في هذه الدولة وحدها تتصافى المذاهب والقلوب، وتصان حقوق المؤمنين، أما الدول الأخرى، الدينية والطائفية، فهي دول كافرة ومخالفة لشرائع السماء، وليس في القرآن آية واحدة تدعو الى دولة دينية، أو إلى خلافة دينية، ولا وجود فيه لرجال دين من أي نوع، ولا لنساء دين من أي نوع، لا بل أن الكثير من آياته،

تحض على قيام الدولة المدنية حسب المفهوم المعاصر لماهية هذه الدولة. ألا يقول القرآن "فأينما تولوا فثم وجه الله"؟. ألا يقول أيضاَ "ولو شاء ربك لجعل الناس كلهم أمة واحدة"؟. ثم ألا يقول في مكان آخر "يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أتقاكم " أليس معنى التعارف هو التعددية والحرية، وهما أساس الدولة المدنية وجوهرها؟! هذا في الإسلام، أما في المسيحية فقد اختصرها "المسيح" القائل:" اعط لقيصرما لقيصر وما لله لله".

*****

الدولة المدنية هي دولة الإيمان، والمعارضون لها هم زعماء الإقطاع والعشائر، وشيوخ المنافع والقبائل والطوائف، لأن وجودها يلغي وجودهم. هي الضمانة الوحيدة لكل الناس يا سيد حسن، وسترى أنه حين تهدد الأخطار كيان الوطن، سترى الناس كلهم جنوداً. ليس صحيحا ما يقال إن العصبية الدينية، شيعية كربلائية كانت أم سنية، أم درزية أومارونية، هي وحدها التي تولد الحمية المطلوبة للقتال، فالعصر الحديث لم يعرف جنوداً استبسلوا في الدفاع عن الوطن، مثل الجنود الألمان واليابانيين أثناء الحروب الكبرى، كما لم يعرف جنوداً حاربوا حتى الموت دفاعاً عن بلادهم مثل الجنود الروس، ومعركة ستالينغراد الشهيرة خير دليل. حمية أولئك الجنود لم تنبع من عقيدة دينية أو مذهبية، وهي لهذا السبب، أعلى وأشرف قواعد النضال والشهادة، لأنها وليدة وعي قومي شارك فيه المجتمع بكل فئاته،لا وقفاً على منطقة واحدة، أو فئة واحدة من المجتمع!

في الختام لا أملك يا سيد حسن إلا القول لك إن ثورة الحسين تناديك. عظام أهلك تناديك، وعظام ابنك الشهيد تناديك، وعظام كل الأحرار الذي استشهدوا في الدفاع عن لبنان منذ وجد لبنان تناديك. وصية الحق هذه أن تقف مع الجياع والمظلومين، ولا تهادن أحداً من زعماء الطوائف. أنت تعرف، وكل مواطن عاقل يعرف، أن هؤلاء لا يعرفون إلهاً غير إله المال والسلطة، ويستغلون المذاهب ليربطوا بسطاء الناس بقيود الطائفية، ويأخذوهم، كما يأخذ الرعيان قطعان الغنم. العذل لم يسبق السيف بعد يا سيد حسن، وهناك بصيص أمل بدأت طلائعه تظهر في العتمة، فلنبتهلها فرصة لبناء وطن سيد حر مستقل، نشارك جميعنا في قيامه، ونحقق أحلام هذا الجيل من الشبان والصبايا، وأحلام أجيال لم تات بعد.