قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله بشارة

في خطوة غير مسبوقة، أصدر وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، والأردن، بياناً مشتركاً بدأوه بتحية مجهود الأمين العام للأمم المتحدة لإطلاقه بداية عمل اللجنة الدستورية السورية، التي بدأت عملها يوم الاثنين الرابع من شهر نوفمبر الجاري، وأكد البيان أن هذه الخطوة تشكل مرحلة ايجابية منتظرة منذ فترة طويلة، وهي تتطلب أفعالاً وتعهدات قوية لكي تنجح، ويدعو الوزراء الستة لخلق مناخ آمن وحيادي يسمح لسوريا بتنظيم انتخابات حرة ومنتظمة تحت رعاية الأمم المتحدة، وأنها خطوة لتطبيق المبادئ التي جسدها قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي يؤكد مشاركة جميع السوريين، بمن فيهم النساء، مع تأكيد ضرورة وقف فوري لاطلاق النار في كل سوريا، والاصرار على أن الحل الوحيد هو الحل السياسي. هذا البيان من ثلاث دول عربية مؤثرة، وثلاث دول كبرى على المسرح السياسي العالمي، اتخذت القرار الجماعي لمجلس الأمن قاعدة شرعية وسياسية لانطلاقها، مع قناعة عالمية راسخة بأن مأساة سوريا في إصرار نظامها على الاستمرار في المواجهة والاحتماء بالعنف، والاستناد على القتل والتدمير وتخويف الشعب السوري بغياب البديل.

فقدَ نظام الأقلية الفئوية السورية جميع مظاهرالقبول من شعب سوريا بجميع مكوناته، بعد أن أدرك عجز النظام عن توفير شروط الحياة، وإخفاقه في تحقيق أمن اجتماعي وتطور اقتصادي وتقبل اقليمي، مع خروج على الثوابت التي جسدها ميثاق الأمم المتحدة في التعايش بين الأنظمة، فقد جند النظام كل امكاناته العسكرية لمواجهة الشعب السوري الذي أعلن العصيان، وعبر عن إرادة بالرفض الجماعي لنظام بشار الأسد وحزبه الطائفي، فكانت حرب أهلية خسر فيها النظام القبول الشعبي بعد اتساع المعارضة وإصرارها على استبداله، ونجحت المعارضة، لكن الاستنجاد بالدب الروسي ليسهم في تقويض ثورة الأحرار بدل الموقف، ونجحت دبابات روسيا بإبقاء الأسد لفترة ما.. نجح مجلس الأمن بإصدار الوصفة اللائقة للأوضاع داخل سوريا بحق الشعب في اختياراته، دون تخويف، بدلاً من حق القوة وطغيان الاستبداد، مستذكراً قرارات الجمعية العامة التي تنص على حق التدخل الانساني ضد أي نظام يلجأ إلى القوة والعنف لفرض إرادته على إرادة شعبه، ومنحت تلك القرارات المجتمع الدولي للتدخل لحماية الشعب من الابادة، حدث ذلك في حالات تولت فيها المنظمات الاقليمية السياسية مسؤولية التخلص من أنظمة الاضطهاد، وكانت المجموعة الأفريقية أكثر الأعضاء التزاماً بهذا التوجه..

اتخذت الدول العربية قراراً بإبعاد النظام السوري عن الجامعة العربية، الأمر الذي أسهم كثيراً في تحقيق الرفض الدولي لحكام دمشق، وعزز أمل المعارضة في قرب نهاية النظام الفاشستي الذي همه البقاء في تحد بشع للارادة السورية الجماعية وفي استخفاف بالموقف العالمي، وباستصغار البيانات والقرارات التي يصدرها مجلس الأمن، وبتحقير للآمال العريقة التي يحملها الشعب السوري لمستقبله. عانت سوريا في تاريخها الحديث من تدخلات الجيش ومن تعاسة الأحزاب التي عجزت عن الوصول إلى الصيغة المناسبة للنهوض بالشعب السوري، فجميع الأحزاب، من البعث والقوميين والماركسيين والهلال الخصيب كلها تبنت أيديولوجيات ومسارات بعيدة عن حقائق الشعب السوري، الذي يريد أن يجسد إرادته في دستور متطور يجمع السوريين ويمنحهم الأمل ويقوي وحدتهم ويعزز مكانتهم، ويعبئ طاقاتهم المشهورة للبناء وتوظيف مهاراتهم في التجارة والابداع في بناء مؤسسات اقتصادية، مع انفتاح تجاري وفق قواعد السوق، وطيّ ملف الشعارات الفارغة واغلاق مكاتب التثقيف الحزبي ووضع نهاية لحكم المخابرات، والتوجه للتوسع في الزراعة والخدمات.. ففي سوريا طاقات ضخمة بشعب نشط ومتحفز، ومساحات واسعة وامكانات عظيمة لم تستغل لأن الدولة لم تهدأ والشعب لم يستقر والنظام لم يرسخ والاستقرار ضاع..

أكبر خراب ضرب سوريا في وجدانها كانت تلك التدخلات العسكرية التي بدأها حسني الزعيم، ثم تلقفها حزب البعث واسهمت فيها جميع التجمعات السياسية، وأدخلت سوريا في لعبة الانقلابات بين الأطراف التي تتصور بأحقيتها في الحكم، وكلها عجزت عن تقديم صيغة تتناسب مع توجهات الشعب، لأن هذه الأحزاب والقيادات سارت للوصول إلى تمنيات في وحدة عربية فيها سوء التوقيت وغابت عنها الصيغة الجاذبة لامكانات الشعب السوري. جاء نظام الأسد بانقلاب على نظام آخر كان وليد انقلاب وهكذا تاريخ سوريا، كان فصل سيادة القانون في سوريا قصيرا جداً، وكان السياسيون يتسابقون على احراجات الخصوم، واغراءات دول الجوار، والاستسلام لسحر المسار العروبي، كل هذه التشكيلات لا تلائم التكوين الفكري والنفسي لشعب سوريا، فاتجه إلى الحيادية السلبية. لا بد من ضغط جماعي من الدول العربية يعززالموقف الدولي، يتمثل في المقاطعة وليس الاعتراف، في دعم الصيغة التي تبناها مجلس الأمن، رحمة بالشعب السوري ودعماً لنضاله وتحقيقاً لرغباته، دون ذلك ستظل ساحة سوريا مملوءة بالحدة والدمار مع توتر اقليمي يؤذي الجميع.. لا يملك النظام السوري ذرة من الحق للاستمرار فعاث بطشاً بشعبه وتواصل بالتخويف والاعدامات وظلام السجون، وعندما اقترب الشعب من النصر، وأدرك النظام قرب النهاية، جاءت دبابات الاسعاف الروسية للانقاذ، فيستنجد بالأجنبي لاخضاع الشعب لكي يعيش على رماح جنود روسيا ويجاهر بالتبعية ويتفاخر بها، ويدب فيه الأمل بالاسعاف العربي لكي يعود إلى الجامعة، بعد كل هذه الاهانات التاريخية التي وجهها الحكم السوري لمقام جامعة الدول العربية.. لا يمكن تحقيق أمن اقليمي بوجود أنظمة تحمل العداء لشعوبها، ولا يعيش الاستقرار في دولة رئيسها رهينة لارادة الآخرين، وتبقى سوريا مفتاحاً للوصول إلى فصل جديد في قلب العالم العربي برسم خريطة غير التي نراها الآن.