قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

حلمي النمنم

يندر أن تجد من لا يفاخر ويتباهى بدار الأوبرا المصرية أول دار أوبرا في مصر وفي المنطقة العربية وبلاد الشرق كلها، الدار التي أسسها الخديوي إسماعيل بمناسبة افتتاح قناة السويس قبل 150 عاماً بالضبط في نوفمبر 1869، وحين احترقت الدار سنة 1971 حزن كثيرون، ورغم إعادة بنائها من جديد إلّا أن مشهد حريق 1971 لا يزال ماثلاً في أذهان البعض ويطالبون بالتحقيق فيه.

وكان إسماعيل باشا أراد أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا، ولذا أسس ما بات يعرف باسم القاهرة الخديوية أو «وسط البلد» بالتعبير الدارج الآن، وبنى كوبري قصر النيل وحوَّل مجرى النهر العظيم من منطقة بولاق ليكون في مجراه الحالي بالقاهرة، وأقام العديد من القصور، كل هذا فعله إسماعيل وهو موضع فخر واعتزاز كثيرين الآن من كتّاب وباحثين ومثقفين، إلى حد أن أضحت إنجازات إسماعيل المعيار لما ينبغي أن ينجزه حاكم مصر.

والمفارقة أن هؤلاء الذين يفاخرون ويتفاخرون بهذه الإنجازات التي قام بها إسماعيل باشا، لا يترددون في لعنه واتهامه بالتبذير والسفه في الإنفاق، وأنه ما كان ينبغي له الاستدانة، وأنه بسبب ذلك التبذير تراكمت الديون، وحدث ما كان من تدخل الدول الأجنبية، والذي انتهى باحتلال مصر سنة 1882، رغم أن الاحتلال كانت له أسباب وأهداف أخرى، وأنه كان سيقع حتى لو لم تكن هناك أي ديون، حيث إن بريطانيا كان لا بد لها أن تؤمِّن مواصلاتها إلى الهند، وأن تكون قناة السويس تحت سيطرتها.


والحق أن المالية المصرية كانت قادرة سنة 1879 على تحمل أعباء الديون وسدادها، واتخذت الكثير من الإجراءات في ذلك، لكن بريطانيا وفرنسا والدولة العثمانية كان لديهم تصميم على إزاحة إسماعيل، لأنه تجرأ وذهب لاكتشاف منابع النيل وأقام علاقات وحقق تواجداً قوياً في أفريقيا، ليؤمِّن جنوب مصر ومدخل البحر الأحمر، وهو ما لم تغفره له القوى الاستعمارية، فكان لا بد أن يتم خلعه بفضيحة كبرى، حتى لا يصير بطلاً أو شهيداً، فكانت مقولة التبذير والديون، والتي أطلقتها الصحف البريطانية وتلقفتها نخبنا الجاهزة للتلقف باستمرار.

إن المفاخرة بإنجازات إسماعيل واتهامه بالتبذير (أنفق المال على هذه المشاريع) هو أحد المفارقات والتناقضات في بعض الخطابات العامة في فضائنا الثقافي والاجتماعي، وهو يعكس عملية الاجتزاء في تقديم بعض الشخصيات التاريخية، ومن ثم الخروج بآراء ومواقف متناقضة وغياب الموقف النقدي والفكري المتسق والمتكامل.