حمود أبو طالب

مثلما كان صيفنا كئيبا فإن شتاءنا كان أكثر كآبة، نحن هنا نتحدث عن مدننا بلا استثناء، المدن المزدحمة نهاراً بوجوه عابسة الملامح حادة الانفعالات نتيجة حصار النفوس بالملل الشرس لافتقادها أبسط وسائل التنفيس عن ضغوط الحياة، وشبه الخاوية ليلا إلا من يبحث عن صيدلية أو مطعم أو ضرورة أخرى. بعض هذه المدن يصبح شبه خاوٍ نهاراً وليلاً في عطلات الصيف، وأما مدن الشتاء فإنها تكون بعد ساعات الدوام شبه مغلقة حتى طلوع الشمس.

هكذا كان الحال في المدن الكبرى، فما بالكم بالمدن الصغيرة التي لا يعرف جيل الشباب الآن كيف كانت، ولا يمكنه تخيل طبيعة الحياة فيها. سأحدثهم عن «الدرعية» من واقع تجربة شخصية، فعندما انتقلت جامعة الملك سعود إليها في بداية الثمانينات لم يكن إسكان الطلاب مكتملا، فقررنا أنا وأحد الزملاء السكن في الدرعية القريبة من الجامعة مؤقتا، استمتعنا بالهدوء والأودية وبيوت الطين والناس البسطاء الطيبين، لكن كان علينا الاحتياط بعدم احتياجنا لأي ضرورة في الليل لأنها تغط في سبات بعد صلاة العشاء، شبه مدينة صغيرة لا يسكنها أو يزورها إلا أهلها، ولو قال لي أحد آنذاك أو حتى قبل سنوات قريبة أنها ستكون في يوم ما وجهةً للعالم بفعالياتها النوعية وحيويتها وصخبها لطلبت منه الذهاب إلى طبيب نفسي لعلاجه من الهلوسات الشديدة.

شيء يفوق خيالنا نحن الذين عاشوا تلك المرحلة الشاحبة أن تكون الدرعية كنموذج للعزلة والانغلاق مسرحاً للحياة النابضة بكل تجلياتها. شيء يتجاوز الخيال فعلاً أن يكون في الدرعية 20 فندقا ومنتجعا، و6 متاحف، جامعة و5 أكاديميات، 100 مطعم ومقهى، مراكز رياضية وترفيهية متطورة، وأن يقام فيها أشهر السباقات العالمية، ويقصدها السواح من مختلف دول العالم، لأنها أصبحت وجهة السياحة والثقافة والتأريخ، أن يحدث ذلك وبكل هذا التسارع لهو دليل أكيد على أننا تجاوزنا الأحلام المؤجلة إلى ما بعدها، وحوّلنا ما كان ضرباً من الخيال إلى واقع معاش جميل، ومن يعتقد أن في الأمر مبالغة عليه مشاهدة تسجيل الاحتفالية التأريخية بتدشين بوابة الدرعية ومتابعة ما يحدث بعدها.

إنه الزمن السعودي الجديد، زمن الإنسان المتصالح مع الحياة والأحياء، والمنتج بكل ما منحه الله من طاقات.