حلمي النمنم

لا توجد منطقة بالعالم تخلو من الاضطراب والغضب، غضب الجماهير أو قطاع واسع منها، وفي أكثر من مكان نجد الغضب والاحتجاج سببه تراجع معنى الدولة الوطنية- المدنية، في بريطانيا صوت البريطانيين يسعون للخروج من الاتحاد الأوربى، والعودة ثانية لركائز الدولة الوطنية، فقد اكتشفوا أن الاتحاد الأوربي سلب الدولة الكثير من اختصاصاتها، بل وجزءا من سيادتها، وفي فرنسا هب أصحاب السترات الصفراء احتجاجا على بعض الأوضاع المالية والاقتصادية، ذلك أن جزءً كبيراً من جوانب الإنفاق والميزانية الفرنسية يحدده الاتحاد الأوروبي وليست الحكومة الفرنسية من تفعل ذلك، وأن ميزانية فرنسا باتت جزءاً من ميزانية الاتحاد الأوربي.

وفي عالمنا العربي، تعج مدن العراق بالمظاهرات، ولهم مطلب واحد، هو التخلص من الطائفية والمذهبية المقيتة التى أفسدت على العراقيين حياتهم، وهتف العراقيون “إيران.. بره بره” باختصار رفض التدخل الأجنبي وعلى وجد التحديد التدخل الإيراني، وسمعت بعض الأشقاء في العراق يتحدثون عن “الاحتلال الإيراني للعراق”، وفي لبنان لم تتوقف المظاهرات منذ أكثر من شهر ولهم مطلب واحد، هو رفض الطائفية وعودة الوطنية والمدنية إلى الدولة.

هذا المطلب المتكرر والمتشابه يعنى فشل دعاة العولمة الفجة، التى تهدر سيادة الدول وحدودها، فضلا عن قيمها وثقافتها الخاصة، والذى حدث أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي 1990، انطلق دعاة العولمة يعلنون نهاية التاريخ، وأن قطار العولمة قادم وسوف يسحق كل من يقف في طريقه، وأثبتت الأيام فشل هذا الرهان. الطريف أننا نجد في الولايات المتحدة قلقا متزايدا من تدخل روسيا في شئونها، خاصة في الانتخابات الرئاسية سنة 2016، ويتخوفون من أن يحدث تدخل في انتخابات العام القادم، أي أنه يشعرون باهتزاز معنى الدولة الوطنية وهيبتها أو ما يعبرون عنه باسم “القوة الأمريكية”.

الحفاظ على الدولة الوطنية والتمسك بها يعني كذلك سقوط دعاة الإسلام السياسى الذين يعيشون في كهف الخلافة، ويتعاملون مع الوطنية باعتبارها نوع من الكفر وبضاعة مستوردة من الغرب، رغم أن كثير من دول المنطقة كانت موجودة قبل أن تدخل أوربا التاريخ، وقبل أن يظهر الإسلام بآلاف السنين، دعاة هذا التيار افسدوا حياتنا الاجتماعية وتحولوا إلى سوس ينخر في بنيان الدولة، ومارسوا حربا إعلامية سوداء ضد الدولة الوطنية في محيطنا العربي، بتشويه رموزها وتاريخها، عن تصور أن الخلافة سوف تعود..