قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله بشارة

في سجل مجلس التعاون، في سنواته الثلاث الماضية، ثلاثة مواقف لا بد من التوقّف عندها في تحليل لهذه السنوات العجاف، للوقوف على أساليب المعالجة للخروج من تلك الواقعة البغيضة التي شلت المجلس وعكّرت بيئته وشوّهت مصداقيته، وأضرّت بمقامه، وأدخلته في فصل غير مألوف في تراث الخليج، وكان هناك احتمال أن يتّسع الانزلاق، ويتلاشى المجلس.

وظل القلق مرافقاً للجميع حتى الأمس القريب، ومع طلائع المؤشرات في المشاركة الجماعية لدورة الخليج في قطر، بدأ خيط الأمل يسطع مع أنوار الحكمة الخليجية التاريخية التي وفرت الحضور الجماعي في خطوة رسمت دروب التلاقي في قمة الرياض في الأسبوع الماضي، وهنا أود تدوين هذه المواقف الثلاثة التي أشرت إليها:

أولاً - وبكل وضوح، ما كان مهرجان الكرة في قطر أن يحدث، ومن بعده قمة الرياض، لولا التدخّل المستمر والمواظب لسمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، منذ وقوع المفاجأة منذ حوالي ثلاث سنوات..

لم يهدأ بجولات شخصية منه، وأسفار لمبعوثين حاملين الرسائل، مع موقف واضح وصريح بأن السياسة لا تخلو من أزمات تحلها المفاوضات الصريحة والمواجهات المقنعة، ولذلك حدد سمو الأمير وسائل العلاج، وطالب بضبط النفس، ولم يتردد في شرح الأبعاد الخطرة للأزمة مع استذكار تاريخي لضرورات المجلس الذي جاء من قناعات جامعة كآلية لتثبيت الأمن ولترسيخ الاستقرار، ومن قناعات جماعية لانطلاق الشراكة الخليجية الواسعة في كل المسارات التي تؤمّن الاستقلال وتحفظ سيادة الدول الأعضاء، وتنال هذه الدول بهذا المجلس تأييد الأسرة العالمية للاجراءات التي تبنّتها لتأمين الهدوء في المنطقة وتوفير الطمأنينة للمجتمع الدولي، مع تأكيد أن منابع الطاقة بيد المستحق الذي يقدّر دورها في الازدهار الاقتصادي والسلام العالمي. كانت رسائل سمو الأمير تتواصل، لم ينزعج للتأخير، ولم ييأس من السلبيات، ولم يأتِ على باله أن يختار الصمت والتوقف، وجاء الإصرار وصلابة الموقف من معاصرته لمسار التشاورات التي سبقت قيام المجلس ووقوفه على املاءات الضرورة لقيام المجلس ودوره في تحقيق ذلك الأمل البعيد، بالتهيئة اللازمة مع تبادلية الأخذ والعطاء. وأعجبتني مداخلة سمو الأمير عندما علّق على بيان الرياض وما يحتويه من خطوات تحقق الوحدة الخليجية الآمنة واعتبر البيان جدول الأعمال المستقبلي للمجلس.

ثانياً - بكل تقدير، أسجل إعجابي لحجم الحذر الذي أظهرته القيادات الخليجية في معالجتها للأزمة ومقاومة الانزلاق إلى الأبعد في المواجهات، تقديراً منها لمخاطر الاندفاع، وإيماناً بأن أزمة اليوم لن تبقى وأن المجلس مصير جماعي وعهد ثابت بين الدول، وأنه الرابطة

الجوهرية للعمل الجماعي ضد المخاطر، وكانت الحكمة بارزة في تعامل خادم الحرمين الشريفين مع الأزمة خلال قمة الرياض، وارتفاعه على العواطف بطرح ورقة عمل مستقبلية جامعة جاءت في بيان الرياض، كمنطلق للعمل معاً بكل المسارات، ومن دون تحفّظ لبناء جدار الأمن الخليجي، وكانت الحميمية الآسرة واضحة في استقبالاته للوفد القطري برئاسة رئيس الوزراء، فاتحاً باب المستقبل لضم الجميع، ومستنداً إلى الحكمة المتوارثة التي بذرها الملك عبدالعزيز في توظيف العقل والارتفاع به، ومقاومة إغراءات الانزلاق.. ومن هذه الخصال كسبت المملكة ثقة العالم ورسّخت أمنها. Volume 0% كان خادم الحرمين الملك سلمان لصيقاً بعمل المجلس عندما كان أميراً للرياض، متابعاً له وملمّاً بقراراته، ومشرفاً على احتياجاته، ولا أنسى المرات المتعددة التي كان فيها يشرف على بناء مقر الأمانة العامة ويوفر لها المتطلبات، تقديراً منه للمعاني العالية لمجلس التعاون.

ثالثاً - نُشيد بجميع القيادات في الخليج، بالالتزام بأن تظل مساعي سمو الأمير هي الطريق المؤتمن والمؤثر لتجاوز الأزمة، فقد كنت من الذين يتخوّفون من تسلّل الأصابع إلى منطقتنا، ويعرف الجميع أنها منطقة جاذبة في استقرارها ومغرية في ثرواتها وسخية في عطائها وفعّالة في تأثيرها، ووجيهة في سلوكها، كما كنا نخشى من التسلّط عبر «يافطة» المساعي الحميدة، ونخاف من خريطة حلول لا تناسب الخليج ولا تنسجم مع تراثه ولا مع طبائعه. وأود الإشارة إلى الدروس التي استخلصناها من هذه الأزمة، وضرورة حصرها؛ ففيها الصالح، وأبرزها ضبط النفس في حدود ما أعلن، وفيها الطالح والمؤذي من مقالات وتوظيف وسائل الانتشار في تبادلية النقد اللاذع وتجاوز الممنوعات وغياب الالتزام باحترام المحظورات، ولعل الفصل المقبل من عمل المجلس يوفر المناخ الملائم للابتعاد عن هذا النهج.

رابعاً - أحيي د. نايف الحجرف، مباركاً له تزكية القادة أمينا عاما لمجلس التعاون، مع ثقتي بإدارته للمجلس، ليس في جانبيها المالي والاداري فحسب، بل وفي أبعادها الاستراتيجية والسياسية، فالحرص على التوافق بين الدول الأعضاء ضرورة لا يمكن تجاوزها، فالمجلس عهد بين الدول في مراعاة أمنها وسيادتها، والتأكيد على أن دبلوماسية المجلس تتميز بالاعتدال والواقعية والمصداقية والترابط مع الأسرة العربية والإسلامية والعالمية، وكلها تصبّ في المجرى المفيد لجميع الدول الأعضاء، من دون أن يسبب هذا المجرى أذى لأي طرف، وهنا أقف بتمعّن عند ما جاء في بيان الرياض، وفي آخر فقراته «حيث يؤكد القادة قوة وتماسك ومنعة مجلس التعاون ووحدة الصف بين أعضائه والحفاظ على هذه المنطقة واحة للاستقرار والأمن والرخاء الاقتصادي والسلم الاجتماعي، مع دعوة تستوجب الارتقاء بآليات العمل المشترك وتطويرها». وهذه الفقرة واضحة بأن أحداث الأمس مملوءة بالعبر والدروس، نستفيد من معالجتها بالصبر والحكمة والتفهّم المشترك، وأن مسؤوليات المستقبل بحاجة إلى جهد الجميع، بمساهمة تستجيب لواجبات العمل الجماعي وتراعي حقوقه، وترفع مكانة المجلس إقليمياً وعالمياً، ولعل أهم درس حصدناه من تجربة الماضي، الإيمان بأنوار الحكمة والالتزام بها طريقاً، ليتّسع المجلس لاحتضان جميع الأحلام..