قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

علي عبيد الهاملي

«كل التطبيل والدعايات للحرب. كل الصراخ والكذب والكراهية. تأتي دائماً من الناس الذين لن يذهبوا إلى الحرب».

هذه المقولة للكاتب البريطاني جورج أورويل، مؤلف رواية «1984» الديستوبية الشهيرة، التي جسد فيها «الأخ الكبير» طغيان النظام، وكان بطلها وينستون سميث، عضو الحزب الخارجي، يعمل موظفاً في وزارة الحقيقة المسؤولة عن الدعاية ومراجعة التاريخ؛ حيث كان يقوم بإعادة كتابة المقالات القديمة وتغيير الحقائق التاريخية بحيث تتفق مع ما يعلنه الحزب على الدوام، وفق تعليمات يتلقاها موظفو وزارة الحقيقة تحدد التصحيحات المطلوبة، وتصفها بالتعديلات عوضاً عن التزييفات والأكاذيب.

مقولة أورويل لا تنفصل عن الفكرة التي طرحها في روايته الشهيرة تلك، والتي تجسد حقيقة أن غالبية الذين يكتوون بنيران الحروب عادة هم ليسوا أولئك الذين يقرعون طبولها، وإنما هم الذين يذهبون إليها وتسيل دماؤهم في ساحاتها، ويفقد البعض منهم أرواحهم، بينما يبقى الذين قرعوا طبولها في أبراجهم العاجية، ينعمون بالحياة والسلطة، يمارسون هوايتهم هذه ويشعلون حروباً جديدة.

في روايته الشهيرة «الحرب والسلام» التي تدور أحداثها في بداية القرن التاسع عشر، مع اجتياح نابليون بونابرت الأراضي الروسية، ثم انسحابه يجر أذيال الخيبة والفشل في مواجهة الشتاء الروسي القارس، بعد أن رفض قيصر روسيا ألكسندر الأول الاستسلام.

في هذه الرواية يخضع الكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي أسباب الحرب النابليونية للاحتمالات فيقول: «إن المؤرخين يظهرون بتأكيد خالص أنها إهانات الدوق أولدنبرغ، وخرق الحصار البري، وطمع نابليون، وعناد ألكسندر، وأخطاء الدبلوماسية... إلخ.

ولو كان الأمر كذلك فقد كان يكفي لتفادي الحرب أن يجتهد تاليران في مباحثة سياسية بارعة، أو أن يكتب نابليون إلى ألكسندر بكل بساطة: سيدي أخي، إني أوافق على إعادة الدوقية للدوق أولدنبرغ». هذا الاحتمال الذي يطرحه تولستوي كان يمكن له أن ينفي مسببات الحرب فلا تقع، ولا يخرج للدنيا مصطلح «الجنرال ثلج» الذي هزم نابليون في معركة «بورودينو» المعروفة.

ولو كان هذا الاحتمال قد تحقق ربما لم يكن تولستوي قد كتب رواية «الحرب والسلام» نفسها. هكذا وبمنتهى البساطة كان يمكن أن يتغير وجه التاريخ، وأن يفقد الأدب العالمي واحدة من الروايات العظيمة الخالدة.

وتبقى العبرة التي ربما تناسب المقام أنه على الرغم من أن معركة «بورودينو» الدموية قد انتهت بخسائر فادحة تكبدها الطرفان، إذ فقد الجيش الإمبراطوري الروسي نحو 40 ألف جندي و42 جنرالاً بين قتيل وجريح، فيما قتل 30 ألف جندي فرنسي إضافة إلى 49 من كبار الضباط وفقاً للروايات، إلا أن نابليون بونابرت ظل يردد على مسامع ضباطه أن «معركة بورودينو كانت الأكثر روعة ورهبة، أثبت الفرنسيون جدارتهم بالنصر، واستحق الروس أن يوصفوا بأنهم لا يقهرون»! هكذا يفكر قارعو طبول الحروب التي يقضي فيها ملايين البشر، ويعيش من يخرج منها، إذا لم تزهق روحه، جريحاً أو محطم الروح والنفس والقلب.

الذين يقرعون طبول الحرب في منطقتنا هذه الأيام كثيرون، بعضهم قريب يُسمَع قرعُ طبوله بالأذن المجردة، وبعضهم تأتينا أصوات قرع طبولهم من مناطق بعيدة من العالم عبر وسائل الإعلام التي تجد في هذه الأصوات مادة خصبة لبرامجها ونشرات أخبارها، ومواضيع دسمة لمحلليها وخبرائها الاستراتيجيين الذين يستعرضون مواهبهم في التحليل وربط الأحداث والتصريحات والمواقف ببعضها ليخرجوا علينا بنذر قرب وقوع الكوارث واشتعال المنطقة أرضاً وبحراً وجواً.

ربما يكون هؤلاء المطبلون بعضاً من الذين قصدهم أورويل بمقولته تلك، لأنهم لن يذهبوا للحرب، إذا سيظلون جالسين أمام الكاميرات يتابعون ويحللون ويصبون الزيوت على النيران كي تزيد اشتعالاً.

وهم بفعلهم هذا ربما يجدون لأنفسهم العذر في ما يفعلون، وقد يشكلون خطراً لكنه محدود ومحصور في تأثيرهم على من يستمع إليهم من المشاهدين واقتناعهم بآرائهم وتحليلاتهم، لكن الخطر الأكبر يأتي من أولئك الذين يقرعون طبول الحرب وهم أصحاب قرار في إشعال نيرانها. هؤلاء هم الذين يكون لقرعهم دويٌّ يصم الآذان ويثير في النفوس الفزع من مصائر مجهولة لا يعرف مداها إلا الله تعالى.

لقد شهدت هذه المنطقة من العالم على مدى العقود الماضية حروباً عدة، قرع طبولها حكام بعضهم مسكون بجنون السلطة، وبعضهم الآخر مسكون بجنون العظمة، لكن أخطرهم هم المسكونون بأحلام تصحيح مسار التاريخ الذي يعتقدون أنه قد انحرف عن مساره في لحظة من الزمن تبعد عنا مئات السنين.

هذه اللحظة تجاوزها التاريخ وأحداثه، وجاءت بعدها لحظات كثيرة، تتشابه معها في الشكل وتختلف في الشخوص، ومع هذا تجمدوا هم أمام تلك اللحظة، وتجمد الزمن كله في نظرهم. هؤلاء هم الأخطر من بين كل قارعي طبول الحرب المجانين