قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ممدوح المهيني

أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تغريدة مثيرة للجدل، تحمل صورة لقادة الديمقراطيين يرتدون عمائم الملالي، بعد موقفهم من مقتل قاسم سليماني.
التغريدة متهكمة لاذعة، ولكنها تحمل شيئاً من الحقيقة. أراد الديمقراطيون أن يُظهِروا ترمب بصورة الشخص المتهور المندفع المتعطش لحرب جديدة، ولكنهم أطلقوا النار على أقدامهم. ففي سياق تلطيخ صورة خصمهم تحولوا إلى مدافعين عن شخص إرهابي ذميم تلطخت يداه ليس فقط بدماء النساء والأطفال في إيران وسوريا والعراق ولكن بدماء الأميركيين أيضاً. «سليماني مثل ديانا... بطل ومعبود الجماهير»، هكذا قال مذيع غاضب في أثناء سعيه لشحن العواطف ضد قرار الإدارة الأميركية بقتل سليماني، محذراً من الويلات التي سيجرها على العالم.

هناك فرق بين الصراع الحزبي والدفاع عن القتلة، ولكنّ هذه الحدود تحوّلت إلى خطوط على رمال في الأسابيع الأخيرة. التنابز الانتخابي قد يدفع الأشخاص لاتخاذ مواقف غير منطقية ولا عقلانية للتكسب شعبياً، ولكن الدفاع عن سليماني كان مخجلاً. ليس هناك فرق بين الثلاثي: سليماني وأسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي. جميعهم قتلوا الأبرياء بدم بارد لخدمة أجندات سياسية ومشاريع خلافة شيعية وسنية. وهناك تعاون وتفاهم وثيق واستراتيجي بين هذه القيادات المتطرفة لخدمة هدف واحد في نهاية المطاف. رغم كل هذا التماثل فإن سليماني رُسِمَ على هيئة حمامة سلام تم قنصُها بلا رحمة.

استدعى مقتل سليماني جنود الاحتياط من الحزب حتى المتقاعدين منهم. فقد قام وزير الخارجية السابق جون كيري -الملقب بـ«الملا كيري» بسبب دفاعه المستميت عن النظام الإيراني- بالظهور أكثر من مرة على الشاشات التلفزيونية، وبدا في أوقات كثيرة يقول ما هو أشبه بصدى لما يقوله حسن روحاني وجواد ظريف. أما بن رودس، مستشار الرئيس باراك أوباما للأمن القومي، فتصدى منذ أشهر ليكون الواجهة التي تغمس كل موقف للإدارة الجديدة نحو إيران بالوحل ومدافعاً عن إرث رئيسه السابق.
مع إحباط الكثيرين من عودة الاتفاق النووي إلى سابق عهده، ظل بن رودس مثل كلب الحراسة الأخير أمام مبنى متهدم. وبعد مقتل سليماني زادت وتيرة الانتقادات التي صورته كأنه شخص يعمل في منظمة إنسانية (هكذا وصف المرشد «الحرس الثوري») وليس شخصاً راكم جثث الأطفال المتلفعين بالأكفان البيضاء بلا رحمة. زاد جرعة الغضب الديمقراطي، موقف الإدارة الأميركية المتحد صوب العملية الكبيرة وتصريحات ترمب الذي حزم أمره في الملف الإيراني، وتناغم بشكل كامل مع أعضاء إدارته في المواقف واللغة.
انزلاق الديمقراطيين للدفاع عن إيران وسليماني يعكس انقسامات عميقة في الحزب الديمقراطي بين مدرسة تقليدية قديمة ترى دوراً أميركياً في صون النظام الليبرالي وبين مدرسة جديدة متطرفة ومتهورة منجرّة، ليس فقط نحو التخلي عن المسؤولية السياسية والأخلاقية، ولكنها تتحول إلى آلة دعائية للدفاع عن شخصيات وأنظمة ذات تاريخ أسود ومخضبة بالكامل بالدم.

لا ننسى أن الرئيس الديمقراطي فرانكلين روزفلت أنقذ العالم من شرور النازية، وخليفته الديمقراطي هاري ترومان رسَّخ دعائم النظام العالمي الجديد الذي نعيش تحت ظلاله منذ 70 عاماً. والديمقراطيون -حديثاً- مثل بيل كلينتون أطلقوا مصطلح «الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها»، وتبنَّوا سياسية تدخلية فاعلة وصحيحة. وسمعنا أصداء مثل هذه العقيدة الديمقراطية القديمة في حديث جيم جونز، مستشار الرئيس أوباما، حين بارك عملية الإجهاز على قائد «فيلق القدس».
ضعفت هذه المدرسة مع سيطرة حفنة من الشخصيات الشابة في عهد الرئيس السابق على قرار السياسة الخارجية، ما دفع ريتشارد هولبروك، المبعوث إلى أفغانستان، إلى التشكي مرة من أنهم يغلقون الأبواب بوجهه لمقابلة الرئيس، حتى أُصيب بالكمد. وكتب حينها وزير الدفاع روبرت غيتس كتاباً أشار فيه إلى الإهانات التي تعرض لها في غرفة الاجتماعات من الفريق المغتبط برؤيته السياسية الحديثة التي تعني باختصار الانسحاب من العالم.
ما نراه الآن هو امتداد وانتصار لأدبيات هذا الفريق الذي شجَّع على ظهور شخصيات سليطة اللسان في وسائل التواصل، لا تتردد عن كشف ارتباطاتها مع منظمات متطرفة. تزرع الخوف والرهبة داخل قلوب قدماء الحزب الطامعين بذات الوقت بأصوات جماهيره الشابة المهتاجة. ترى في سليماني قائداً مُهاباً، وفي مظاهرات الإيرانيين ضده مسرحية مدبرة، بكلام لا يبتعد كثيراً عن حديث خامنئي في خطبة الجمعة الأخيرة التي توعد فيها بالانتقام وبخراب العالم والدموع تنهمر من عينيه.