مارك لافيرني

عندما مررت ببيروت أوائل سبيعينات القرن الماضي، تولّد لدي الانطباع بأن المدينة كانت أكثر شبهاً بقِدر يغلي يوشك على الانفجار، وفي ذلك الوقت كنت أعدٌّ بحثي الأكاديمي الميداني، وهكذا كُتب لي أن أشهد الأحداث الأولى لاندلاع ما يعرف بالحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وحتى انفجار الاشتباكات على نطاق أوسع أعقاب ورود أخبار اختفاء الإمام موسى الصدر عام 1978.


وبعد 10 سنوات، عدت إلى هناك لإعادة افتتاح مركز الشرق الأوسط الفرنسي للبحوث والدراسات، وفي تلك السنوات الأخيرة للحرب، وقبل توصل الفرقاء إلى اتفاق الطائف، تسنّت لي الفرصة اليومية للتنقل بين شطري بيروت المقسمة إلى شرقية وغربية، وتمكنت بذلك من متابعة العمل الأكاديمي مع زملائي وطلابي اللبنانيين الذين يأتون من الشطرين.

وكان لبنان في ذلك الوقت يمثل ميدان المعارك، وتسوية الحسابات لكثير من الخصوم والفرقاء، إلا أن ما بقي بعد سيطرة الفصائل المسلحة على الأرض لم يكن يمثل مشاركة كل الطوائف أو الملل الـ18 بالسلطة، ولم يؤثر على وجود اللاجئين الفلسطينيين بانتماءاتهم السياسية المختلفة.

وتعود المأساة اللبنانية الحقيقية لجشع وقِصر نظر قادتها الذين كانوا يفضّلون التخطيط على المدى القريب بدلاً من البعيد، وبناء على المصالح الشخصية والطائفية بدلاً من المصالح الوطنية.

والآن، سقط القناع في آخر اللعبة ليتضح في نهايتها أن الدَين الوطني بلغ من الضخامة الدرجة التي تعني أن كل الأموال التي تعود للشعب تبعثرت وضاعت، لتترك اللبنانيين وهم يعيشون وسط بيئة منهارة اقتصادياً وفي ظروف يائسة.

ولم يعد بالإمكان الوفاء بهذا الدين، وخاصة لأن لبنان لا ينتج سلعاً وبضائع للتصدير، بل إنه يكتفي باستقبال السيّاح والزوّار خلال فصل الصيف بالإضافة للتحويلات المالية لأبنائه المغتربين.

ويضاف إلى كل تلك المعاملات والصفقات المالية التي تشهدها المؤسسات المالية، إلا أن لبنان لم يعد بنكاً لحفظ الأموال، فقد تبخرت أحلام كل من الرئيس الراحل فؤاد شهاب في عقد الستينات بخلق مشاعر الانتماء الوطني، ورئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري بتحويل بيروت إلى مركز أعمال إقليمي، بسبب الحرب الباردة الجغرافية السياسية التي تبنّاها الأول وعملية العولمة المبكرة التي اختارها الثاني.

ولقد خسر العالم العربي الكثير بسبب هذه المأساة التي تعكس انقسامه الحاد على نفسه، وتركتنا هائمين مع ذكريات الأصوات المخلصة التي كان في وسعها أن توحد قلوب وعقول اللبنانيين وكل العرب، من أحمد شوقي إلى فيروز.