حسين شبكشي

«شفرة حلب» هو الاسم المتداول وسط الحاخامات في البيئة العلمية الدينية اليهودية عن أقدم نسخ التوراة تداولاً، التي يعتقد (بحسب قناعاتهم) أن به رموزاً وشفرات آخر الزمان وعلاماته. ويرجح المؤرخون أنه كتب في طبرية في العصر العباسي وتم الاحتفاظ به لدى الجالية اليهودية في حلب لسنوات طويلة. أما في جزيرة جربة في تونس، فهناك كنيس الغريبة، الذي يعتبر أقدم معبد يهودي في العالم لا يزال مفتوحاً، ويزوره سنوياً الآلاف من اليهود بعد ثلاثة وثلاثين يوماً من عيد الفصح بحسب التقويم اليهودي، علماً بأن تاريخ هذا المعبد يرجع إلى العهد الروماني القديم بحسب معتقدهم. وهناك اعتقاد بأن هذا المعبد يحتوي على حجر من هيكل سليمان، كما أنه يحتفظ بين أروقته على أقدم نسخة للتوراة بحسب نسختها المعروفة في العالم.
ولليهود من الأصول اليمنية «شأن ومقام خاص» لدى غيرهم من اليهود لارتباطهم بأرض سبأ، والبعد التاريخي مع النبي سليمان عليه السلام. أما في العراق فتاريخ الوجود اليهودي فيه يصل لتاريخ 500 عام قبل الميلاد في بابل تحديداً، وهي من أهم الجاليات اليهودية وأقدمها في التاريخ، ولهم معابد مهمة ومقابر تاريخية.

وفي مصر هناك مزار الحاخام يعقوب أبو حصيرة، الذي كان من أصول مغربية في القرن التاسع عشر، ويعتبره اليهود من أهم الشخصيات الدينية المعاصرة وواجبة الزيارة، بالإضافة إلى مواقع التيه وجبل الطور الخاصة بسيرة النبي موسى عليه السلام، مع عدم إغفال ذكر مواقع وتواريخ مهمة لليهود في لبنان ودمشق وليبيا والجزائر والمغرب والجزيرة العربية.
هذه المقدمة للتذكير بالتاريخ الشديد التعقيد والتداخل في منطقة الشرق الأوسط بين الأديان والأعراق المختلفة، وكيف أنه ورغم العداءات والحروب والاقتتال قدرها أن تجد صيغة للتعايش. ولكن هذا التعايش يجب أن يكون مبنياً على «حق» ومراعاة بالتالي «حقوق» جميع الأطراف، وإخراج تجارة الأراضي المقدسة من الموضوع، وإسقاط حججهم بأن الأديان تمنح صكوكاً للأراضي باسم الرب، واللجوء إلى نقطة التقاء مقبولة لدى الجميع ومحترمة عند الكل، وهي المرجعية الأممية والقانونية التي رضي بها الكل، والمعني هنا هو قرارات الأمم المتحدة الصادرة من أعلى مرجعية سياسية ودبلوماسية أقرها العالم.

أما القول بأن الأمر على أرض الواقع يقتضي الاعتراف بواقع جديد، فهناك سابقتان مهمتان تعكسان هذه المقولة؛ الأولى عندما قامت إسرائيل بتفكيك مستوطناتها بعد انسحابها من سيناء عقب اتفاقية السلام مع مصر، والثانية هي انسحابها الكامل من قطاع غزة عقب اتفاق السلام المبدئي مع الفلسطينيين.

أي حراك لحل القضايا المعلقة بين إسرائيل والفلسطينيين خارج المظلة الأممية لن ينال الضمانة الدولية التي تم إقرارها. هناك تاريخ من التعايش بين الأعراق والأديان في منطقة الشرق الأوسط، وهناك تاريخ فيه محاولات طمس الهويات الأخرى وإضفاء هوية مهيمنة.
العيش المشترك نظرة إنسانية وكل من يحاول تغييرها سيخسر. التاريخ معيار جيد لقراءة المستقبل ولن يستفيد منه إلا من يتفادى تكرار الأخطاء السابقة.