قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سليمان جودة

مرَّ حكيم على عصفور يقف على الأرض إلى جوار غراب، فأدهشه شيئان في أمرهما: الشيء الأول أنهما يستقران على الأرض، وليس على غصن شجرة، والثاني أن غراباً يصاحب عصفوراً، فهذا من الأمور غير المألوفة في عالم الطيور!
اقترب منهما فلاحظ أنهما يحجلان، أي أن العصفور كان يمشي على قدم واحدة، وكذلك كان يفعل زميله الغراب، وكان السبب أن جرحاً في القدم كان قد أصاب الاثنين. زالت دهشة الحكيم فقال عبارة صارت مثلاً أو كالمثل. قال: جمعت بينهما المصيبة!
والمعنى أن شيئاً لم يكن ليجمع طائرين بينهما من الفوارق ما بين العصفور والغراب، إلا أن يكون هذا الشيء من نوعية ما أصاب القدمين لدى كليهما فأقعدهما عن الطيران!
طاف معنى هذه الحكاية الرمزية في عقلي، حين قرأت أن وباء «كورونا» قد وحد بين الأفرقاء في ليبيا، وأن الطرفين قد راحا يتخذان الإجراءات نفسها في سبيل دفع خطر الفيروس عن كل ليبي، أياً كان موقعه على خريطة الجماهيرية الليبية!
صحيح أن الأجهزة المعنية في الجماهيرية لم تسجل إصابة واحدة بفيروس «كورونا» حتى منتصف هذا الأسبوع، وصحيح أن ملاحظة كهذه بدت غريبة للغاية، وسط عالم يتعرض لضربات الفيروس من كل ناحية، إلا أن ذلك لم يمنع أن يتوحد الخصمان في شرق ليبيا مرة، وفي غربها مرة أخرى، لعل البلد الذي يخص الجميع من أبنائه يستطيع الاحتشاد في مواجهة فيروس، لا يفرق وهو يتجول في أنحاء العالم، ولا يختار مصابيه أو ضحاياه، ولا يستهدف هذا من بني البشر، ثم يستثني ذاك منهم في المقابل!
هو لا يفعل ذلك، كما لم يفعله أي وباء سابق، وكما لن يفعله كل وباء لاحق، فالأوبئة تفاجئ الإنسان من حيث هو إنسان، ولا تتطلع إلى بطاقة هويته قبل أن تهاجمه. فلا «الإنفلونزا الإسبانية» فعلتها في بدايات القرن الماضي، ولا فعلها فيروس «سارس» في بدايات هذا القرن، ولا فعلها «إيبولا» من بعده، ولا فعلها فيروس «إنفلونزا الخنازير» من بعد الاثنين، في نهايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين!
ولهذا السبب وحده، بدت استجابات الناس واحدة في المواجهة، وبدت قريبة ومتشابهة، وأكاد أقول متماثلة، ولماذا لا تكون على هذا النحو، إذا كان خطر الفيروس الذي لا يزال غامضاً في أمور كثيرة تتعلق به، هو خطر مشترك لا يختلف في نقطة في أقصى الأرض، عنه في نقطة أخرى في أدناها؟!


وقد كان طبيعياً - والأمر على هذه الصورة - أن نقرأ أن الحكومة المؤقتة في المنطقة الشرقية قد اجتمعت وقررت تأجيل الدراسة أسبوعين، وأن حكومة «الوفاق» في الغرب قد اجتمعت هي الأخرى على غير موعد بينهما، وقررت الشيء ذاته الذي قررته الحكومة الأولى!
حدث هذا وطالعناه بأعيننا، وكان لا بد من أن نطالعه، وربما لم يلاحظ أحد أن هذه هي الخطوة المشتركة الوحيدة تقريباً التي أقدم عليها الطرفان معاً وفي توقيت واحد، بغير اتفاق مسبق، وبغير تنسيق، وبغير أن يكون أحدهما قد أوحى إلى الآخر بما يتعين عليه أن يفعله في وجه الخطر الزاحف!
ولم يكن قرار إرجاء الدراسة هو القرار الأوحد الذي جمع بينهما؛ لأنهما اشتركا في اتخاذ إجراءات احترازية أخرى، ولأنهما أدركا سوياً أن الخطر الذي يلوح في الأفق، ويظهر في دول مجاورة، لن يفرِّق - إذا تجاوز الحدود في اتجاه ليبيا - بين شرق فيها وبين غرب!
وإذا كان ما حصل على هذا المستوى بين الطرفين، يظل في النهاية يمثل درساً عابراً في وجه أمر طارئ، لم يكن في البال ولا على الخاطر، فهناك بالتوازي شيء لا بد منه اسمه الدرس الباقي الذي لا يرتبط بفيروس سوف يرحل ذات يوم، ولا يتعلق بخطر سوف يزول ذات صباح!
هذا الدرس الباقي يقول إن العدو الذي يراه الجيش الوطني الليبي متمثلاً في مرتزقة إردوغان، وفي الميليشيات المتحصنة في العاصمة طرابلس وفي ضواحيها، هو عدو لكل ليبي يحمل جنسية بلده، وهو عدو طامع في ثروات بلد وفي مقدرات شعب، وهو عدو يبدد هذه الثروات والمقدرات ويعبث بها. هو عدو مشترك تماماً، ولا فارق في غاية المطاف بينه وبين «كورونا» الذي وحد الشرق مع الغرب في البلاد، وجمع بين مقاصد الأول ومقاصد الثاني على أرض هي واحدة!
والدرس الباقي كذلك أن الدكتور غسان سلامة، كان قد جاء مبعوثاً للحل من الأمم المتحدة، ثم رحل عن مهمته قبل أيام، معلناً أنها أجهدته، وأنه لم يصل فيها إلى شيء، ليس عن تقصير منه، ولكن لأن لسان حاله كان يردد قول الشاعر: صحَّ مني العزمُ والدَّهرُ أبَى!
ومن قبل سلامة كان قد جاء البلاد أكثر من مبعوث دولي، وكان منهم العربي وغير العربي، وكانوا يرحلون تباعاً بينما الحال في ليبيا كما هو؛ بل كان مرور الوقت يزيد في تعقيده، وليس من المتوقع أن ينجح المبعوث الجزائري الجديد فيما أخفق فيه سلامة ورفاقه الراحلون، ليس لأنهم لم يريدوا حلاً، ولكن لأنَّ الأشقاء في ليبيا ينسون في غمرة ما يجري، أن القضية في الأصل ليبية، وأصحابها في الأساس ليبيون، وما لم يساعدوا هُم أنفسهم أولاً وعاشراً، فلن تسعفهم مساعدة الآخرين في شيء، حتى ولو كان هؤلاء الآخرون مبعوثين أمميين يتحدثون باسم المنظمة الدولية الأم في العالم!
الدرس للطرفين في ليبيا هو درس «كورونا»، وملخصه أن المصلحة الليبية واحدة، بمثل ما أن الخطر واحد، سواء كان هذا الخطر من نوع الفيروس المتجول هذه الأيام، أو كان من نوع الطامعين إقليمياً ودولياً في أن يكون لهم نصيب من بترول ليبيا، أو غاز ليبيا، أو شاطئ ليبيا، أو موقع ليبيا الممتد طويلاً على جنوب البحر!
الأفرقاء الذين جمع بينهم «كورونا»، يجب ألا يفرق بينهم شيء عداه، وعلى الأفرقاء الذين رأوا في الفيروس تحدياً يفرض التوحد، أن يدركوا أن فيروس الانقسام أخطر على المدى البعيد؛ لأن خطر «كورونا» يزول بشيء من الاحتياط والحذر، ولكن خطر الانقسام لا يزول إلا بزوال الانقسام ذاته، وإلا بتوفر إرادة وطنية صادقة تضع الولاء للوطن فوق كل ولاء لسواه، فما يجمعه «كورونا» لا يصح أن تفرقه الولاءات!