قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في هذه المرحلة التي يسيطر فيها الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر على نحو 80 إلى 90 بالمئة من أراضي ليبيا، بما في ذلك الشرق والجنوب والشمال، حيث تقع معظم حقول النفط، تسيطر «حكومة الوفاق» مدعومة بالميليشيات الإرهابية وتركيا على العاصمة طرابلس، وعدة جيوب في الغرب. ودخلت على الخط مؤخراً حكومة رجب طيب أردوغان مباشرة لكي تدعم «الوفاق» بقوة، وهي مدججة بكافة أنواع العدة والعتاد لكي تنقلب موازين المعادلة الليبية التي كانت قبل وقت قصير تميل إلى كفة الجيش الوطني الليبي، وأبناء ليبيا الأحرار الذين كانت طلائعهم تتقدم إلى قلب العاصمة طرابلس.

ويبدو بأن التدخل التركي المباشر قد أدى إلى تقسيم ليبيا على أرض الواقع إلى شرق وغرب مهدد بتفتيتها إلى شظايا ودويلات ممزقة. هذا الافتراض منطقي جداً لو استمر التدخل التركي بالعنفوان نفسه، ولم تتحرّك الأطراف الأخرى الضالعة في الشأن الليبي للتصدي لهو والرد عليه بالعنفوان والقسوة نفسيهما، خاصة تلك التي باتت مصالحها وأراضيها مهددة بشكل مباشر من قبل المطامع والمطامح والتطلعات التوسعية المادية والأيديولوجية لحكومة أردوغان، بما في ذلك سلامة حدودها وأمنها الوطني والفكري والثقافي.
وحين نتحدث عن تقسيم ليبيا، تقسيم «أمر واقع» بين شرق وغرب، فنحن لا ننطلق من فراغ، فليبيا لم تتوحد واقعياً بصلابة في العهد الملكي، فإدريس السنوسي كان نادراً ما يترك الشرق لكي يتفقد بقية الأقاليم، بما في ذلك الغرب الذي تقع فيه العاصمة، ربما لتقدمه في السن، أو لأسباب أمنية لم يكشف عنها، وجاء الحكم الانقلابي لكي يبقي الولاءات الإقليمية والمناطقية على ما هي عليه، ويحكم البلاد بالحديد والنار وبالبطش.
وإلى هذا اليوم سكان الغرب يتباهون بتركيبتهم المختلطة، ويشتكون من قبلية أهل الشرق. وربما أنه منذ أن دخل الجيش الوطني طرابلس، وسيطر على أجزاء مفصلية منها تزايدت الآمال بقرب توحيد البلاد من جديد، وتناقصت فرص هذا النمط من التقسيم الذي نشير إليه، فالأمر كان يبدو إلى ما قبل عدة أيام بأن جميع أجزاء ليبيا كانت ستتوحد مرة أخرى تحت راية حكومة وطنية ليبية واحدة.
قبل التدخل التركي المباغت كانت الصورة تتضح بتواتر بأن الجيش الوطني الليبي كان على وشك تحقيق النصر على الميليشيات الإرهابية التي كانت تتحكم في مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية في طرابلس وجيوب متفرقة في الغرب، وكان المشهد العسكري والسياسي يشير إلى قرب انتصار أبناء الشعب الليبي تحت راية جيشهم الوطني، وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
لقد كان ذلك المشهد الرائع على قرب خطوات أو أدنى لكي يتحقق ويصبح حقيقة ملموسة. كان ذلك سيحدث - والأمل معقود بأنه سيحدث رغم المجريات الأخيرة الطارئة التي تسبب فيها التدخل التركي العسكري المباشر.
لقد كان ذلك سيحدث نتيجة لضغط عسكري ميداني أحدثه التوحد المشترك لقوات الشعب الليبي من المناطق كافة، خاصة أولئك القادمين من الشرق والجنوب الذين ضغطوا بقوة على الميليشيات الإرهابية، واندفعوا إلى قلب العاصمة ممهدين الفرص أمام أبناء الغرب للانضمام إليهم، وتحقيق نهاية سريعة للأوضاع المأساوية التي تعيشها بلادهم، والتي تفاقمت الآن بسبب الاحتلال العسكري التركي لبعض مناطق بلادهم الشمالية والغربية.
من جانب آخر، يبقى وجود عدد من الخطوط الحساسة التي من شأنها أن تؤثر على مستقبل الأمن والاستقرار الليبي، وحتى على مستقبل وكرامة الليبيين ذاتهم:
أولها، أن الوجود العسكري التركي لن يكون وجوداً سهلاً أو مهضوماً، فالأتراك لهم تاريخ بغيض عندما استعمروا البلاد العربية، ولهم ممارسات دائماً ما ارتبطت بنهب ثروات المناطق التي دخلوها، واستهوان أو حتى استعباد شعوبها، ومن بينها ليبيا قبل دخول الاستعمار الإيطالي إليها.
وثانيها، أن مستقبل ليبيا الاقتصادي على المحك، فدخول الأتراك فيه طمع واضح للاستحواذ على ثرواتها النفطية والغازية.
وثالثها، أن مستقبل ليبيا السياسي والأمني والاقتصادي يكمن في وحدة شعبها، وهي حقيقة على الليبيين إدراكها والانطلاق منها كاستراتيجية عظمى لهم كشعب وكدولة حرة ذات سيادة وطنية.