قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

التستر التجاري خيانة مبطنة وهو نوع من أنواع الاقتصاد الخفي أو ما يسمى بالاقتصاد غير الرسمي، حيث أضحى في الآونة الأخيرة ظاهرة متصاعدة، يتهرب من كافة الاستحقاقات المنوطة عليه والدفاتر التجارية النظامية، أقطابه مافيا الفساد «الوافد المتلاعب»، و«المواطن المتستر».

إن التستر التجاري جناية شنعاء، كما يعد شكلا من أشكال الفساد الاجتماعي ومنشطا لعمليات الفساد المالي ومرتعا للجرائم اللاأخلاقية، لما ينطوي عليه من ممارسات سوداء كغسيل الأموال والاتجار بالبشر وارتكاب المخالفات، والتسيب وامتهان الأساليب الرثة للغش والخداع المنطوية على مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، إذ يتسنى للمتستر إقامة نشاطاته في سكك الظلام، وشقوق الأحياء السكنية المجهولة التي تنأى عن الأعين وتقل فيها الحركة والرقابة، فملاكها الوافدون والمتسترون فيها المواطنون، بل ويجب أن ندرك الحقيقة المرة أن خلف كل تستر تجاري مافيات محاربة، فالوافد المؤجر يتقلب في نعم الله متبغددا يدنس ويدلس ويزور ويستبيح الأموال سحتا دون مخافة من الله، والمتستر يتوارى عن الأعين يأكل ما خبث وقبح من المكاسب الحرام، ويكفيه الرفعة والجاه لنماء ماله، غارقا في الأحلام تاركا وراءه مصائب الدهر من تلك الأيدي الخفية التي تخون وتعبث في الأسواق.

فهو الصمام المغذي لهذه «الحافظة الجرثومية» وهو الأهم في هذه المرحلة الخطيرة، إذ يتعين عليه توفير البيئة المناسبة ذات الظروف الملائمة للوافد المتلاعب، مما يسند له المهام بلا إشراف ولا إدارة، ويترك له كامل حرية التصرف كيفما يشاء بعيدا عن عين الرقيب والحسيب، حيث التلاعب بالسلع والأسعار والموارد ونصب الثغرات لتدفق السيولة السائبة، والأهم أن يقتات المتسترعلى «الفتات»، وللوافد أن يستمتع بجمع الأموال الطائلة وعلى الجميع السلام.

إن إشغال الأسواق لعناصر غير مؤهلة ولا كفؤة فد يفضي إلى استلاب اموال العامة، واستدرارها بفهلوة غير قانوية ولا مشروعة، حيث تولد الإيرادات، وتهدر الموارد والفرص الحقيقية التي من شأنها أن تبني المجتمعات وتقيم الأوطان.

ولو تأملنا بمزيد من القلق لوجدنا أن سوء الرؤية وعدم الإدارة يعززان الفساد تحت مظلة التستر التجاري بكل أوجهه، فالمواطن يقف عاجزا متفرجا يلتزم الصمت أمام هذه المهزلة ولا يستطيع أن يلتمس أدواره المستحقة أمام تفشي العمالة الرديئة وتوافد أعدادها دون نظام حتى تجاوز الأمر المرحلة التي لم نعد نستطيع التحكم بها بسبب المواطن المتستر.

ولعلي أجزم بأن التستر التجاري يقوم على استقطاب العمالة الوافدة البسيطة التي لا تقرأ ولا تكتب بفارق البعد الثقافي والاجتماعي المتدني، وما تجلبه من ثقافة خاصة في سلوك مريب، وقد يواجهون بعقوبة قاسية إذا لم يؤدوا أداء كافيا مستغلا لفقرهم وعوزهم قسرا أو إذلالهم بإنهاء خدماتهم وتهديدهم بالفصل تعسفا، مما يخلق لديهم الخوف وعدم الشعور بالشرف فيهموا بتشكيل خلايا من العصابات التي تعاون وتساهم في جمع الأموال والثروات غير المشروعة وحيازتها وتحويلها ونقلها خارج الدولة، فالاقتصاد والمجتمع يدفعان ثمن حياد المتسترعن صوابه المتهاون.

إن جميع الوزارات المعنية تعرج بخطر التستر على اقتصاد الدول أمام عجلة التنمية المستدامة، فيجب أن يعرف المواطن أدواره وألا يجهل عن السلوك المالي والإنتاجي والاقتصادي وأن يتخذ خطوات شجاعة وحاسمة لمكافحة المتستر ولا يغفله وأن يتحرى قواعد الرقابة الحصيفة ويبلغ الجهات المخولة لفرض العقوبات الرادعة في شأن مافيات الفساد من المتسترين والوافدين المتلاعبين.

ختاما..أترككم مع هذه الصنوف التي تمثل واقع حالنا اليوم..

أورد الناصري في كتاب الاستقصاء عند أحد سلاطين المغرب يصف فيها حال عماله، وقد صنفهم إلى ثلاثة أنواع:

عامل أكل السحت وأطمعه الغوغاء والسفلة، عامل لم يأكل ولم يطعم غيره، وانتصف من الظالم، وعامل أكل وحده ولم يطعمه غيره.

فالأول تحبه العامة والسفلة، ويبغضه الله والسلطان والصالحون.

والثاني يحبه الله ويكفيه ما أهمه من أمر السلطان.

والثالث كحال اليوم، يأكل وحده، ويمنع رقده، ولا ينصر المظلوم، فهذا يبغضه الله ورسوله والسلطان والناس أجمعون. تأملوها.