عادت النخب المسيحية اللبنانية تعبّر مجددا عن رغبتها بوضع صيغة مختلفة لعلاقتها مع المسلمين. في العمق عادت "السماجتان" الشيعية و السنيّة اللبنانيّتان لا تُحتَمَلان بالنسبة لجزء متصاعد من هذه النخب المسيحية. الاسم التقليدي لهذا التبرّم هو طرح الفيديرالية. يأتي الانهيار الاقتصادي ليحوِّل الصراع إلى صراع على مزابل. لا زالت المدرستان السياسيتان اللتان تتحكمان بالطائفتين السنية والشيعية تواصلان ضغطهما الضيِّق الأفق والجشع على مسيحية سياسية صارت تريد التشبّهَ بهما بينما تستمر المدرسة الرئيسية المسيطرة على الطائفة الدرزية أسيرةَ تاريخ الصراع الأهلي في الجبل، الصراع المحاصَر والمتجدد، المحاصَر بالانقسام الأعرض في "لبنان الكبير" والمتجدد عن لبنان الصغير أيام المتصرفية.
ها نحن إذن سياسياً أمام سماجتين سنية وشيعية، وفقر دم مسيحي.
السماجتان تستكثران، على المسيحيين وصول حزب مسيحي يريد موازنة موقع رئاسة الجمهورية مع الرئاستين الثانية والثالثة. لا تقبلان الفكرة فيما الحزب المسيحي المعني يغرق في التنافس على تركة فساد لا دواء لها وله. والحزب المسيحي الآخر، حزب الحرب الأهلية، غاطس في التنافس على ساحة مستضعفة حتى لو توحّدت، فكيف بانقسامها.
أعتقد أن النجاحات الكمية والسلطوية التي حققتها السنية والشيعية السياسيتان تعيش حاليا مرحلة فقدان توازن حتى من موقعهما الأقوى داخل الدولة. كأن النخب الشيعية والسنية، وخصوصاً الشيعية، تظهر غير مؤهلة للحفاظ على ما أتاحه لها "لبنان الكبير" من فرصة بل فرص. كل يوم يمكن تقديم عينة عن الضغط الذي بلغ الحافة الانفجارية والذي تمارسه السنية والشيعية السياسيتان. هكذا عاد الوعي النخبوي والشعبي المسيحي إلى ما تبقى له من قدرة على التهديد: الانفصال.
لم يستطع جيل 1975 المسيحي أن ينفصل بعد العام 1975 ويؤسس دولته المستقلة ولو الناقصة لكثير من المسيحيين، الناقصة ليس فقط على الأطراف بل حتى داخل جبل لبنان التاريخي.
سكرت الشيعية اللبنانية بما تعتبره، وعن ضيق أفق ونقص أهلية، "دهاءها" السلطوي. وهذه المدرسة الشيعية الحالية لا تستطيع معالجة الخلل الخطير في البنية التوحيدية للبنان الحالي. السنية السياسية رغم العشرة الأطول في الدولة اللبنانية تعكس أحياناً سلوكا تنفيرياً لجيل مسيحي نافر أصلاً. ثمة فقر دم أكيد في الجيل المسيحي الحالي الحاكم منذ أيام الحرب الأهلية. لا قيادة واسعة الأفق بمعزل عن الشطارة التكتيكية، والكنيسة المارونية قلقة بين تحولات المنطقة وانعكاسها على تحولات لبنان. لا ميزان قوى إقليمياً أو دولياً يعيد تصويب علاقة النخب اللبنانية بدولتها التي تصبح عاجزة بل تافهة أكثر فأكثر.
كل لبنان السلطوي أصوات نشاز وكل لبنان السياسي أصوات نعيق تشبه تلك التي تصدرها غربان مدن البحر الأحمر عند اشتداد الحرارة المشتدة دائما من عدن إلى السويس. بحر لبنان أحمر وملوث بالمجارير والفقر والانهيار والكانتونية المتزايدة. هو احمرار الزيت السياسي الذي ترسله إسرائيل إلى مياهنا وأجوائنا، عدو هو الدولة العظمى الإقليمية في المنطقة.
أعود إلى نقطة البداية:
كل فشل دولتي في لبنان هو فشل توحيدي. لو كان لدينا قيادات على مستوى المرحلة ومخاطرها كان يجب أن تظهر شخصيات قادرة على "التنازل" الذي يفهم هواجس عائدة بقوة.
أم الصبي مفقودة في لبنان الحالي بين شعاب طبقة سياسية عاهرة وغير قابلة للإصلاح.
دهاء الشحاذين كما كان يسمّيه شارل ديغول، لا يُصلِح وضعاً.
لنأخذ مثالاً، وهو مثال جوهري: حوار بل سجال قانون العفو. يبدو في الظاهر حواراً على مصائر مهربي مخدرات وإرهابيين أصوليين وفارين إلى إسرائيل. في كل مجموعة تباينات بين كبار وصغار وبين قتلة وأبرياء وبين عناصر ملتحقة بميليشيا سابقة عميلة للجيش الإسرائيلي وعائلات خائفة ولائذة بالفرار. حوار المدى التجاوزي الأبعد الذي أطلقه ضعف الدولة اللبنانية التقليدي. لكنه حوار أصلي.
الترميم المتاح للكيان أو أحد الترميمات يمر عبر تصفية هذا الإرث الضاغط. تخابث الجماعات الطائفية والتموضع الذي تتفاوت نسبة إحراجاتها فيه يجعلانها غير قادرة حتى الآن على التوصل إلى حل. لو أتيح لمسرحي أن يدرس كيفية تلازم الكلام مع المطلب العفْوَوي المتعلق بكل جماعة لأمكن إخراج إحدى أكثر المسرحيات غنى إيحائياً وتلاعباً بالمعاني وترتيبا لتضادّات متوترة. مع العلم أن عفو ما بعد الحرب الأهلية تعلّق بقيادات الميليشيات أي ب "فوق"، في مشروع العفو الحالي الأمر يتعلّق ب "تحت". أمراء الحرب حصلوا على العفو ، اليوم هم أنفسهم يحاولون منح هذا العفو لجزء من جماهيرهم. فيأخذون وقتهم في الاشتراطات المتبادلة. السماجات كلها تخيِّم على فضاء قاعة الأونيسكو الأنتي كورونية. فكأن الضباب الكثيف يحجب لا الرؤية بل الفعل حتى الآن. الدلالة هنا لا تخطئ . طبقة سياسية متعثرة في إدارة الدولة المثخَنة بالفساد تقدِّم عروضها الفئوية المعلنة والمكبوتة. لكنها فئوية تحمل من مائة عام من التجربة أسوأ ما فيها وتنقلها من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين وهي تجدّد الأحلام المريضة لجماعاتها بدولة لم تعرف الحفاظ على أرصدتها إلى حد التهديد الدائم للدولة نفسها.
كان بين المتوترين في المسيحية السياسية قبل عام 1975 من يربط الانفصال بالديموغرافيا وحدها. بعد أكثر من ثلاثة عقود على تجربة إمساك السنية والشيعية السياسيتين للدولة اللبنانية ظهر الأداء الفضائحي بما يتجاوز الديموغرافيا. وكلا الفئتين تشخيصها صحيح. سماجتان توحيديتان وثالثة مراقِبة و مستنفَرة لا تصنع دولة. وفقر دم انفصالي رابع أو أول لا يستطيع إنقاذها.
عاش المأزق اللبناني وعاش لبنان المُتَمَأْزِق.