قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد الفيتوري

لدتُ وعشتُ في حي "الصابري"، بمدينة بنغازي الليبية، على شاطئ البحر قرب الميناء، حيث يسكن كثير من العمال والحرفيين، وكثير من السود والفنانين والرياضيين.

والجزء الذي يقع على الشاطئ يُدعى "زرايب العبيد"، كان عبارة عن أكواخ من الزنك والأخشاب والخيش، وغالبية سكانه من الفقراء، بخاصة السود. هذا ما جعل من "الصابري" حي الفن والموسيقى، وما عُرف منها بـ"المرزكاوي"، نسبة إلى مدينة مرزق في أقصى جنوب الصحراء الليبية.

خلال الستينيات وفي أول الصبا، نشرت الميديا، بخاصة الراديو أخبار ثورة سود أميركا، وعمّت العالم أخبارهم حتى وصلت إلى حي "الصابري، وأصدقاء الطفولة وزملاء المدرسة من قاطني "زرايب العبيد"، كان النجم آنذاك مارثن لوثر كينغ وظهور الممثل سيدني بواتييه الذي "سيلبس ثوبه" صديق طفولتي عثمان منصور.

لم أنتبه سابقاً أنه أسود، حتى وهو يُقلّد شخصية ذلك الممثل الوسيم والفنان القدير، وحتى إن نادى أحد الزملاء صديقي بـ"العبد" أي الأسود، فلم تكن مسألة اللون شائنة، إلّا عند الخصام الشديد، وهي في وزن، أن أوصم بـ"السمين" إذ كنتُ بديناً.

منذ نعومة الأظافر وبسبب النشأة في حي "الصابري"، جمعني وصديقي الفصل الطبقي، ولذلك كان مارتن لوثر كينغ نجم صبانا، ويشدّنا بقوة لما يفعله في أميركا، وعليه اتجهنا إلى مناصرة القضية الفيتنامية الساخنة حينها وعشق موسيقى الجاز.

محبة صديقي لسيدني بواتييه دفعته إلى تعلم اللغة الإنجليزية، فيما دفعني كرهي للرئيس الأميركي ليندون جونسون إلى عدم تعلمها، بل تطرّفت في ذلك حين قاطعت السينما الأميركية، ما جعلني ابتعد عن صديقي، عاشق الأفلام.

الحياة المشتركة توجد المشترك، كما الخصومة تُوجد المفترق، لذا كان مشتركنا العالي خلفية إعجابنا بأميركا ونضال سودها، فمنذ الصبا كرهنا معاً أميركا العنصرية والعنجهية العسكرية في فيتنام، كما عشقنا أميركا في الوقت ذاته، إذ كنّا مأخوذين بتظاهرات المواطنين ضد بلادهم في حربها الفيتنامية، فزاد مع الأيام ولعنا بالفنون والآداب، حتى رافقنا في مراهقتنا إرنست هيمنغواي، وروايته "الشيخ والبحر" التي كتبها في كوبا عام 1952.

كأن أميركا التناقض، تلكم مرآة تُكبّر ما فينا، تفصح عمّا في أعماقنا، تغذّي خيالنا، فتشارك في ظفر أحلامنا وحفر مواقفنا.

فقدتُ صديقي عثمان منصور الذي توفي باكراً، لكنني لم أفقده من ناحية أخرى لأنه وجهي الآخر، حتى إنّني أشاهد هذا الوجه، فيما يحدث اليوم في الشوارع الأميركية وبعض الشوارع الأوروبية الداعمة، وما يشدّني في "شوارع السوشيال ميديا"، بعد أن كان المصدر المؤسس الترانزستور - الراديو.

ومنذ ذلك الوقت، عرفتُ أنه عندما تتضارب المصالح، تختار كل فئة ما يناسبها، ويحصل التضارب حين تُصاب البصيرة بالعمى، لكن ما ذكّرني بسالف الأوان زُهاء ما يحدث، أن مسألة اللون ليست المشكلة، ما دفع في خاطري ذكرى صديقي، وما اشتركناه معاً وما بقي فيّ.

سيقول قائل إن القصّ المستعاد ناتج من الحادث المُعاد، فأميركا اليوم والعالم، تواجه صعاباً متبقية، وصعاباً مستجدة وأصعب، فهي والعالم في محل مثلّث برمودا: ترمب، كورونا، عنصرية ونهب. ترمب نتاج شعبوية تُخلخِل ما تأسّس وتُهدّد ما يجب. أما كورونا، فجائحة، تمثل إعصاراً كشف عن عيوب وخلق مستجدات منها، والعنصرية لم تذهب مع الريح.

"زرايب العبيد" لم يعد لها وجود، لكنها حدث تاريخي، وتوفي صديقي لكنني وجهه الآخر.

وفي هذه اللحظة الاستثنائية، كأن أميركا الدولة الكبرى الأولى، مرآة تكبير لما يحصل في العالم، من تموقع في الزاوية الحرجة من تطوّر البشرية المهدَّد.

وفي هذه اللحظة الاستثنائية – بعد توقف لسنوات - تنطلق رحلة فضاء أميركية مأهولة، فيها بشر كأنهم "الهارب" من أيام إعصار الجائحة، وهذا سيمياء الحال، أن تهرب أميركا إلى الأمام، كما يفعل ترمب، وكما حدث في الستينيات، ولكن هل ستكون الرحلة من أجل عالم أفضل، كما نتج من قول مارثن: "عندي حلم"...