قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

“إني أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها”!. بهذه، صار الحجّاج صاحب أشهر جملة تهديد بالقتل!. جملة لا تدلّ بلاغتها إلا على رغبة شاذّة التلذّذ بالإفناء!. رغم ذلك، لم تكن هذه هي الجملة الأكثر بلاغة، ولا الأعمق دلالة على مثل هذه اللذّة المنحرفة الشّاذّة!. الجملة التي دوّت في روما، قبل زمن الحجّاج بمئات السّنين، كانت أكثر احترافيةً وانحرافًا!. يوم جمع “كاليغولا” الناس وصاح بهم: “كم كنت أتمنّى لو كنتم أيّها الرّومان بعُنُق واحدة”!.
ـ في زمن الوحش “كاليغولا” عاش “سينيكا”، أحد أهم فلاسفة العالم، والغريب أنه بقي حيًّا رغم اشتغاله بالسياسة!. والأغرب أنه بقي حيًّا، ربما، ليُسجّل لنا التاريخ النهاية الأكثر غرابة، وألمًا، واستسلامًا وخضوعًا للأوامر، بما يتشابه ثمّ يتخطّى المصير النهائي لسُقراط بمراحل!.
ـ كان سينيكا معجبًا، فوق حدّ التبجيل، بسقراط. بفلسفة سقراط إلى حد كبير، لكن بثبات ورباطة جأش سقراط إلى حد مُطْلَق!. هل كان يتمنى نهاية مثل نهاية سقراط؟!. إن كان الجواب بِنَعَم، فإنه من المؤسف حقًّا، أنّ هذه الأمنيّة الوحيدة له، فيما يبدو، التي تحقّقتْ بالفعل وعلى نحو كامل!. ثم أن سينيكا تصرف مع تلبية الحياة لهذه الأمنيّة “المُفترَضة” بما يجعل من كمالها فائقًا!.
ـ ولولا أنّ “البادئ أشهر”!، لما قدر أحد، بعد كل ما جرى لسينيكا، على فهم كيف ظلّت أشهر ميتة لفيلسوف مُلصقة بسقراط!. لنتحدّث إذن، وأولًا، عمّا يمكن فهمه!.
ـ أقام سينيكا فلسفته على عنصرين، من خلالهما وعن طريقهما، راح يتمدّد: الإحباط والغضب!. يشرح أسبابهما ويفكّك آليّاتهما ويطرح حلولًا تعيننا على تجاوزهما أو التقليل من تفاقمهما عن طريق وضع كلّ منهما في مكانه الصحيح، وعدم السماح له بالانفلات متوسّعًا بما لا تُحمد عُقباه!.
ـ ليس غريبًا، بل من الطبيعي جدًّا، أن يستمد سينيكا، من هذين العنصرين مادّة، ومَدار فلسفته. رجل عاش في زمن “كاليغولا” الشيطان، و”نيرون” قاتل أخيه وأمّه وزوجته، والذي طاب له الغناء، أكثر ما طاب، حين رأى روما تحترق!.
ما الذي يمكن له أنْ يستفزّ سينيكا إذن للبدء في فلسفته غير الإحباط والغضب؟!. أضف إلى ذلك سنوات نفيه ظُلمًا، ثم تولّيه، بعد عودته، رغمًا عنه، “أكثر المناصب شؤمًا في الإدارة الإمبراطورية” (بتعبير آلان دو بوتون): أن يكون معلّمًا لابن الإمبراطورة، الذي سيأمره بعد خمسة عشر عامًا، بقتل نفسه أمام زوجته وعائلته!.
ـ ويا له من مشهد!. سينيكا ينصاع للأمر، باستسلام كأنه الرِّضا!. يُقبّل زوجته، لا يطيل الحضن حتى لا يظن الناس أنه يتلكّأ خائفًا!. ينفّذ الأمر، يمزّق شرايينه!. وحين لم يجد أنه سقط قتيلًا، يطلب السّمّ ويتجرّعه بكل ما بقي له من قوّة الجسد ممزّق الشرايين!. لكنه، ويا للغرابة، يظل حيًّا!. وبدل أن يطلب منهم اعتبار ما حدث معجزة تشفع لبقائه حيًّا، يطلب من الجنود وضعه في حمّام بخار إلى أن يختنق!.
ـ وبقيتْ فلسفة سينيكا حيّة، وما زالت تعيش إلى يومنا هذا كلمات كثيرة له، هازئة بكل أدوات قتله في المشهد الأخير: السّلاح الأبيض، والسّم الأسود، والماء والنار.. معًا!.