بين أروقة أشهر الكتب على مر التاريخ، التي تغنّت بالحيوانات، كتاب "كليلة ودمنة"، الذي نستلهم منه الدروس والعبر في قصص بسيطة ذات مغزى ودلالة. وصف المؤلف كل حيوان بصفة حتى تعلق بها الناس ليومنا هذا، الأسد أُطلق عليه ملك الغابة، فقد وصف بالشجاعة، بل صُمم له تاج الشجاعة وصولاً إلى تاج المكر، الذي ارتداه الثعلب بكل فخر واعتزاز، بطل مقال اليوم "الثعلب" المعروف بمكره ودهائه.

في قصة شهيرة اقتبستها من كتاب "كليلة ودمنة" عن مكر الثعالب، افتتح القصة ملك الغابة "الأسد"، حيث هرع من صوت غريب انطلق من الغابة حتى ظل ساكناً في مكانه غير قادر على المشي من هول الصوت، وفي نهاية الأمر كان خوار الثور الذي أثار الرعب في نفس الأسد، فتحرك الثعلب الذي دائماً ما يلعب دور المنقذ، وأخبر الأسد بأن الصوت الذي أفزعه ما هو إلا خوار ثور هائج، وفي نفس الوقت طمأنه بأن صاحب الصوت من الحيوانات التي تأكل الأعشاب فقط من دون الاقتراب من اللحوم، حتى اقترب الأسد من ذلك الثور وصاحبه، ما أثار الغيرة عند الثعلب، الذي يعتبر "جاسوس" المدير (الأسد)، والمقرب منه، ودخول موظف آخر (الثور) يدق ناقوس الخطر، وأن مكانه في صدارة قائمة موظفي الأسد بات محل شك، استغل الثعلب ذكاءه الخارق ومكره، وبدأ بتنفيذ خطة تتمثل في تشويه سمعة الأسد لدى الثور، والعكس صحيح، فأخبر الثور بأن الأسد يتأهب للقضاء عليه ليطعم أبناءه، وفي المقابل خدع الأسد ليوهمه بأن الثور في طريقه للاستيلاء على مقعده (العرش) من تحت أقدام الأسد.

وبالفعل قضى الأسد على الثور فوراً خوفاً من فقدان كرسيه، الذي تولاه منذ فترة واضعاً في مخيلته أن الكرسي (العرش) له وحده، ولن يدوم لغيره!، وسرعان ما ندم الأسد على قراره السريع الذي افتقد للحكمة (وكم من قرارات اتخذت دون التأكد من صحتها، وقرارات أخرى ظلت حبيسة الأدراج)، واستدرك الخطأ الشنيع الذي ارتكبه، فنادى الثعلب في مجلسه العامر بالإنجازات (أغلبها تعود لفريق العمل)، وأراد القضاء عليه، إلا أن الثعلب المعروف بدهائه، أخبر الأسد بأن لا يقع مجدداً في إثم القتل، وذكر مثال قضائه على الثور من دون التأكد من معرفة الحقيقة، وربما من أخبره بالأمر يريد أن يتخلص منه بالمكيدة والدسيسة، ونجا الثعلب مستغلاً مكره.

كم من موظف رأيناه يبذل جهداً مضاعفاً، بل يقضي جل أوقاته مقابل جهاز اللاب توب مغادراً مكتبه تاركاً خلفه السكون الذي يعم المكان، لأنه آخر من يغادر القاعة، وعرق جبينه يبدو ظاهراً، وعند التقييم السنوي تجده ينال أقل درجة من غيره، وخصوصاً من الثعلب، وبجهد أقل ويستغل بدهائه ومكره بكل الوسائل المتاحة للقضاء على آمال ذلك الموظف الفقير، وبالفعل بدهائه عرف كيف يلعب بمخيلة المدير (الأسد).

كثير من المؤسسات والإدارات تحتاج لتلك الثعالب ضمن فرق عملها، والتي تعول عليهم كثيراً في سبيل الارتقاء بخدماتهم والوصول إلى الرقم الواحد بأقل مجهود.
التفتْ يميناً ويساراً، الثعالب موجودة حولك، وإن لم تسبقهم سبقوك أمتاراً.