قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ترمب وكوشنر، شخصيتان مختلفتان بشكل كبير، لدرجة لا يبدو معها أن هناك ما يجمع بينهما. الرئيس الأميركي شخصية متفاخرة ملتهبة صاخبة وصريحة وصاحب لسان حاد. أما الصهر، خريج هارفارد، فهادئ الطباع مصقول غامض متحفظ قليل الكلام والتغريد.
ومع أن ترمب تعرض لانتقادات متواصلة تتهمه بالمحسوبية وتحويل البيت الأبيض لمزار للأصهار والأحفاد وانتُقِد لتوظيف الأقرباء في وظائف حساسة، فإن قراره على الأقل فيما يتعلق بكوشنر كان صحيحاً.
حتى خصوم ترمب يتجرعون المرارة ويعترفون بهذه الحقيقة الصعبة عليهم، ترمب بقيادة كوشنر قام برعاية اتفاق تاريخي ومفصلي بين الإمارات وإسرائيل. وفي ملاحظة مثيرة للاهتمام ذكرها وزير الخارجية الأميركي الأشهر هنري كيسنجر، فإن أي رئيس أميركي يمنح ثقته الكاملة في العادة لشخص أو شخصين مقربين منه. ويضيف: «يبدو أن كوشنر... هو الرجل الذي يضع ترمب ثقته الكاملة فيه».
ثقة ترمب بكوشنر مبعثها أسباب كثيرة، وليس لأنه زوج ابنته المفضلة كما يتهكم النقاد.
السبب الأول مهم، وبقي مجهولاً، لا أحد يتكلم عنه رغم أهميته. فقد جرّب ترمب كوشنر في حملته الانتخابية الأولى، وأثبت نجاحه، وقربه له حتى أكثر من أولاده. ففي تلك الحملة التي توقع كثيرون أن تُسحق من حملة هيلاري القوية والمحترفة، أدار كوشنر الحملة بطريقة مبتكرة وجديدة. وفي مقابلة مع مجلة «فوربس» يتحدث كوشنر: «عملنا بطريقة متحررة وتجريبية بأقل التكاليف. نقوم بأشياء كثيرة. ما يفشل منها نلغيه على الفور وما ينجح نزيد منه». استخدم كوشنر استراتيجية مؤثرة وخبيثة باستخدام «السوشيال ميديا» بطريقة فعالة وقوية لتقديم صورة لامعة وطنية لترمب وتلطيخ صورة خصومه. هذا النجاح ينظر له الآن على أنه قتل الطريقة القديمة في الحملات الانتخابية وأسّس لمرحلة جديدة.
السبب الثاني لتقريب ترمب لصهره أنه رأى فيه شاباً منجزاً وعملياً. «تايكون» عقارات رغم صغر عمره، وهذا يذكّره بنفسه حتى مع اختلاف الطباع. ولكن هناك ما هو أكثر من ذلك، وهذا ما جعله مفيداً للرئيس الأميركي. استثمارات كوشنر لم تنحصر فقط في العقارات، ولكن امتدت لنطاقات أخرى، مثل الميديا والتقنية (قام كوشنر بشراء صحيفة «ذا نيويورك أوبزورفر» ومنصة «كادر» العقارية). هذا ما ساعده على اكتساب خبرات في فهم الحملات الإعلامية وجمع المعلومات وشكّل علاقات كثيرة وظّفها لتحقيق مشروعاته وأفكاره.
السبب الثالث هو الثقة الشخصية من الرئيس ترمب بكوشنر التي توطدت أكثر مع الاضطرابات في البيت الأبيض بسبب تزايد التسريبات من شخصيات مقربة وصاحبة نفوذ. ففي السنوات الأربع الماضية خرجت تسريبات كثيرة كان هدفها الرئيسي إسقاط ترمب أو على الأقل الإضرار بصورته حتى يخسر فرصة إعادة الانتخابات (حتى من محاميه ومستشاره للأمن القومي) لم يخرج أي منها من كوشنر الذي بقي بعيداً عن الشبهات. ويقول مقربون منه إنه لا يرى منصبه كبير مستشاري الرئيس وظيفة، بل مهمة تحفزها دوافع الدم والقربى ليحقق منجزات كبيرة لوالد زوجته الذي يحاول كثيرون القضاء عليه وعلى سمعة العائلة. عزز هذه الفكرة الهجوم الإعلامي المكثف على ترمب وعائلته وانقلاب أسماء معروفة عززت من الانطباع داخل البيت الأبيض بأنهم محاطون بالخونة المبتسمين.
السبب الرابع هو شخصية كوشنر العملية الواقعية التي مثلت صوت العقل حتى في عز الاضطرابات وأوقات الهيجان، مثل تلك التي صاحبت التواطؤ مع روسيا. رغم العداء المرير بين الرئيس ووسائل الإعلام (حتى أولاده الذكور دخلوا في الحلبة للدفاع عن أبيهم) نأى كوشنر بنفسه عن الصراع المحتدم واستطاع أن ينقل وجهة نظر الإدارة الأميركية بطريقة هادئة وعقلانية. حتى خلال أزمة «كورونا» العاصفة، ظهر كوشنر في مقابلات كثيرة يرد على محاوريه بالأرقام والتفاصيل الدقيقة رغم تخبط الإدارة في معالجتها. الهدف أن يقدم صورة عقلانية هادئة لإدارة صاخبة ومحاصرة وبكلام معسول يكسب عقول المتأرجحين وقلوبهم.
السبب الخامس هو تكنوقراطيته العملية المتحررة من ثقل التاريخ، وهذا ما يجعله يقارب الإشكاليات السياسية المعقدة بطريقة مختلفة. شيء مختلف عن المدارس السياسية القديمة، مثل المثالية أو الواقعية السياسية، شيء أقرب للواقعية الاقتصادية بقيادة التكنوقراط. ينتمي كوشنر للجيل الجديد، ويعكس روح القرن الـ21. ولهذا يتحدث بلغة الأرقام والمنافع الاقتصادية بدون الدخول في خضم الصراعات التاريخية القديمة المعقدة. ولهذا عندما تعامل بلغة مختلفة عن الاتفاقات في الشرق الأوسط نجح «بسبب الظروف المهيأة أيضاً» بتحقيق ما عجز عنه أهم المفاوضين على مدار سنوات طويلة. كل ما سبق من أسباب وغيرها ربما يجيب عن سؤال؛ كيف فعلها كوشنر وفشل الآخرون؟
- المدير العام لقناتي {العربية} و {الحدث}